العدالة الصحية مهددة.. العلاج على نفقة الدولة بين الحق والابتزاز
قرار واحد فقط من الجهة المختصة يمكن أن يحسم حياة مريض ويزيل عنه الألم، ورقة تحمل شعار “العلاج على نفقة الدولة” قد تكون طريق النجاة للمحتاج فعلاً، لكنها في الوقت نفسه أداة للاستفادة غير القانونية أحيانًا.
وراء هذا الحق المكفول للمواطنين، تتشكل شبكة من الإجراءات والموافقات التي قد تُستغل لإصدار قرارات علاج خارج الإطار القانوني، مستفيدة من الثغرات الإدارية أو النفوذ الشخصي.
بينما ينتظر المرضى المحتاجون دورهم في قوائم طويلة، تُمنح قرارات علاج سريعة لآخرين بطرق مشبوهة، ما يطرح أسئلة حاسمة: من يستحق العلاج فعليًا؟ ومن يستفيد على حساب الدولة وحقوق المواطنين؟
كشف تقرير رسمي لوزارة الصحة والسكان عن استمرار استفادة المواطنين من برنامج العلاج على نفقة الدولة، الذي يُعد أحد أهم برامج الرعاية الصحية الموجهة للفئات غير القادرة.
ووفق البيانات الرسمية، صدر خلال عام 2024 نحو 3.9 مليون قرار علاج، بتكلفة إجمالية تجاوزت 24 مليار جنيه، ما يعكس حجم الاستفادة الكبير من هذا البرنامج على مستوى الجمهورية.
وفي عام 2025، حتى نهاية شهر يونيو، تم إصدار مليون و417 ألفًا و499 قرار علاج، بتكلفة تجاوزت 10 مليارات جنيه، استفاد منها أكثر من مليون ومئة وسبعين ألف مواطن.
ويهدف برنامج العلاج على نفقة الدولة إلى تقديم رعاية صحية متكاملة للمواطنين غير القادرين، بما يشمل العلاج داخل المستشفيات الحكومية والخاصة المعتمدة، والأدوية، والفحوصات الضرورية، مع التركيز على الحالات الحرجة والمعقدة.

وتُظهر هذه الأرقام التزام الدولة بتحقيق العدالة الصحية وتقليل الأعباء المالية على المواطنين، مع استمرار تطوير المنظومة لضمان وصول الخدمة إلى أكبر عدد ممكن من المستحقين.
شهادات حالات واقعية: الابتزاز المالي يهدد المرضى
كشف أحمد م. من المنوفية، أحد المستفيدين من برنامج العلاج على نفقة الدولة، عن معاناته أثناء إتمام الإجراءات الرسمية للحصول على العلاج الضروري.
وقال أحمد في تصريح خاص: "ذهبت لإتمام الإجراءات الرسمية، لكن طلب مني بعض الموظفين مبالغ مالية لتسريع الأوراق، رغم أن جميع المستندات قانونية وكاملة. شعرت بأنني أتعرض للابتزاز."
وتشير هذه الحالة إلى وجود ثغرات في النظام الإداري لبعض الملفات الطبية، حيث ما زال بعض المواطنين يواجهون ضغوطًا مالية غير قانونية للحصول على حقوقهم العلاجية.
وأكدت منى ع. من القاهرة، أم لطفل مصاب بالسرطان، تعرضها لصعوبات كبيرة أثناء محاولتها الحصول على العلاج على نفقة الدولة.
وقالت منى في تصريح خاص: "كل يوم تأخير كأنه عقوبة على طفلي، وأنا مضطرة أدفع فلوس لا أملكها عشان يعيش"، مشيرة إلى أن بعض الموظفين طلبوا مبالغ مالية لتسريع الإجراءات، رغم أن جميع المستندات القانونية مكتملة.
وأضافت أن التدخل الفوري من الجهات المختصة ساعد في تجاوز العقبات وتمكين طفلها من استكمال إجراءات العلاج دون تأخير إضافي.
متحدث الصحة: الوزارة غير مسؤولة عن أي محاولات ابتزاز
أكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن جميع الإجراءات الخاصة بالحصول على العلاج على نفقة الدولة تتم بشكل إلكتروني ورسمي، مشيرًا إلى أن الوزارة غير مسؤولة عن أي شخص يحاول استغلال المواطنين ماليًا أو ابتزازهم أثناء إنهاء الإجراءات.
وقال عبد الغفار في تصريح خاص: “الإجراءات واضحة وموحدة لكل المواطنين، ولا يوجد أي سبب لدفع أموال مقابل تسريع القرارات. أي محاولة ابتزاز من قبل أي شخص خارج آلية الوزارة الرسمية تعتبر مخالفة للقانون بالكامل”.
وأضاف أن الوزارة تدعو جميع المستفيدين إلى الإبلاغ فورًا عن أي محاولات ابتزاز، سواء عبر الشرطة، أو الخطوط الساخنة لوزارة الصحة، أو عبر رئاسة مجلس الوزراء، مؤكداً أنه إذا ثبت تورط أي شخص في الابتزاز أو استغلال المواطنين، فسيتم تطبيق القانون بحزم.

وزارة الصحة: 18 مليون قرار منذ 2020 وتحذر من الابتزاز
أصدرت وزارة الصحة والسكان بيانًا رسميًا يوم 18 يونيو 2025، كشفت فيه عن آخر مستجدات برنامج العلاج على نفقة الدولة، مؤكدة أن جميع الإجراءات تتم بشكل إلكتروني ورسمي، وأن الوزارة غير مسؤولة عن أي شخص يحاول استغلال المواطنين ماليًا أو ابتزازهم أثناء إنهاء الإجراءات.
وأوضح البيان، أن الوزارة أصدرت منذ بداية عام 2020 وحتى نهاية مايو 2025، 18 مليونًا و839 ألفًا و499 قرار علاج على نفقة الدولة، بتكلفة إجمالية تجاوزت 87 مليارًا و968 مليونًا و500 ألف جنيه، استفاد منها 11 مليونًا و189 ألفًا و596 مواطنًا.
وأشار البيان إلى أن القرارات شملت تخصصات طبية متعددة، من بينها الأورام، أمراض الكبد والكلى، زراعة الكلى، المسالك البولية، العيون، المناعة، أمراض القلب، العناية المركزة، الباطنة، الحروق والجراحة العامة، العلاج الدوائي، العظام والمفاصل، المخ والأعصاب، زراعة النخاع العظمي، جراحة الأورام، الفشل الكلوي، التصلب المناعي، القساطر والدعامات الطرفية، الأشعة التداخلية، الأطراف الصناعية، وأمراض الدم.
وأشارت الوزارة إلى أن تنفيذ القرارات يتم من خلال المستشفيات التابعة للوزارة على مستوى المحافظات، بالتعاون مع المستشفيات الجامعية، ومستشفيات القوات المسلحة والشرطة، والمستشفيات الخاصة والأهلية، والجمعيات والمؤسسات ومنظمات العمل الأهلي.
كما تم مناظرة 25 ألفًا و212 مواطنًا عبر تقنية الفيديو كونفرانس، وتوسيع عدد المستشفيات المنفذة إلى 1461 مستشفى على مستوى الجمهورية، مع ضم المزيد من المستشفيات تمهيدًا لانضمامها للمنظومة.
وأكدت الوزارة على ضرورة الإبلاغ فورًا عن أي محاولات ابتزاز أو استغلال مالي أثناء إجراءات الحصول على العلاج، مشيرة إلى أنه سيتم تطبيق القانون بكل حزم على المخالفين.

القانون يحمي المرضى من الابتزاز: عقوبات صارمة
حذر المحامي العربي شحاتة، خبير القانون المصري، من خطورة الوقوع في جريمة الرشوة سواء من جانب الموظف أو المواطن، مؤكدًا أن القانون المصري يعاقب على هذا الفعل بأشد العقوبات.
وقال شحاتة في تصريح خاص: "وفقًا لقانون العقوبات، أي موظف عام يطلب أو يقبل رشوة أثناء أداء عمله يُعاقب بالسجن المؤبد وغرامة مالية تصل إلى قيمة الرشوة أو أكثر، كما أن أي شخص يحاول رشوة الموظف يعرض نفسه للسجن والغرامة. الوسيط في هذه الجرائم لا ينجو أيضًا، إلا إذا أبلغ السلطات قبل علمها بالجريمة."
وأضاف: "في حالات العلاج على نفقة الدولة، على المواطن ألا يسمح لأي شخص بمحاولة ابتزازه أو استغلاله ماليًا، وفي حالة التعرض لمثل هذه المحاولات يجب الإبلاغ فورًا للشرطة أو الخطوط الساخنة لوزارة الصحة أو رئاسة مجلس الوزراء. القانون صارم، ولن يتهاون مع أي طرف ينتهك حقوق المواطنين."

أمين الفتوى يحذر: الابتزاز المالي حرام شرعًا
أكد الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى في دار الإفتاء المصرية، أن أي محاولة ابتزاز مالي أو طلب رشوة أثناء إنهاء إجراءات الحصول على العلاج على نفقة الدولة تعد محرمة شرعًا، سواء أكان الفعل من الموظف العام أو المواطن.
وقال الشيخ وسام في تصريح خاص: "دفع المال للموظف لإنهاء مصلحة هو نوع من الرشوة المحرمة، حتى وإن كان باسم 'إكرامية' أو 'هدية'. هذه الممارسات تؤدي إلى انتشار الفساد، وواجب على كل مواطن رفضها والامتناع عنها."
وأضاف: "الرشوة من الكبائر في الإسلام، ولها آثار اجتماعية وقانونية خطيرة، فهي تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، والله تعالى يقول في كتابه الكريم: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188]، ونبينا ﷺ قال: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش»."
واختتم الشيخ وسام تصريحه بالقول: "يجب على المواطنين الإبلاغ فورًا عن أي محاولة ابتزاز أو طلب رشوة عبر الخطوط الساخنة لوزارة الصحة أو رئاسة مجلس الوزراء أو الشرطة لضمان محاسبة المخالفين وحماية حقوقهم، والله تعالى يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَكُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ} [النساء: 135]."
خاتمة: حقوق المرضى أولاً
في النهاية، يظل الابتزاز المالي والرشوة أثناء الحصول على العلاج على نفقة الدولة جريمة شرعية وقانونية، تهدد حياة المرضى وحقوق المواطنين. وحماية هذه الحقوق تبدأ برفض هذه الممارسات والإبلاغ عنها فورًا، لتطبيق القانون ومحاسبة المخالفين، وإعلاء قيم العدل والشفافية. كما يؤكد الدين الحنيف على تحريم أكل أموال الناس بالباطل، وجعل الصدق والنزاهة درعًا يحمي المجتمع من الفساد واستغلال الضعفاء.