رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

دار الأوبرا المصرية.. 37 عامًا من ذاكرة الفن على ضفاف النيل

دار الأوبرا المصرية
دار الأوبرا المصرية

في قلب القاهرة، حيث يتعانق النيل مع ملامح المدينة العتيقة، تقف دار الأوبرا المصرية كأنها حارسة الزمن الفني، تصغي إلى همسات الماضي وتفتح أبوابها على ضوء المسرح كل مساء، لتعيد للمدينة نبضها الثقافي، فبين جدرانها تنبض أوتار الكمان، وأصوات الأوبراليين، كأنها تُذكّر القاهرة بأن الفن باقٍ مهما تبدّلت الملامح.

لكن حكاية الأوبرا في مصر ليست وليدة هذا المبنى الحديث وحده، بل تمتد جذورها إلى القرن التاسع عشر، حين أراد الخديوي إسماعيل باشا أن يجعل من القاهرة مدينة أوروبية الطابع والثقافة، فأنشأ عام 1869 أول دار أوبرا في إفريقيا والعالم العربي، احتفالًا بافتتاح قناة السويس. كانت “الأوبرا الخديوية” تحفة معمارية أنجزها مهندسان إيطاليان هما أفوسكاني وروسّي، وشهدت عرض أوبرا “عايدة” الشهيرة التي ألفها فيردي خصيصًا لمصر، لتصبح رمزًا لبزوغ فجر فني جديد في الشرق.

لكن القدر كان قاسيًا، فبعد أكثر من مئة عام من الحضور الفني، شبّ حريق هائل في 28 أكتوبر 1971 أتى على مبنى الأوبرا الخديوية بأكملها، ولم ينجُ منها سوى الذكرى، غابت الأوبرا عن القاهرة قرابة عقدين، قبل أن تولد من جديد في أكتوبر 1988 في موقعها الحالي بالجزيرة، بدعم من الحكومة المصرية وتعاون ياباني كامل في التمويل والتجهيز، كهدية من طوكيو إلى القاهرة.


تولّت التنفيذ الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية بإشراف وزارة الثقافة، وجاء افتتاحها في احتفال مهيب رعاه الرئيس الأسبق حسني مبارك، لتصبح “دار الأوبرا المصرية” الجديدة عنوانًا للنهضة الفنية بعد سنوات من الصمت.

تضم الدار سبعة مسارح من أبرزها المسرح الكبير والمسرح الصغير ومسرح الجمهورية، إلى جانب معهد الموسيقى العربية، وقاعات للفن التشكيلي والباليه والمعارض الدائمة، ومكتبة موسيقية فريدة.
ومنذ افتتاحها، كانت الأوبرا منارة لتقديم الفنون العالمية والعربية، فاستضافت فرقًا من روسيا، وإيطاليا، وفرنسا، إلى جانب عروض مصرية خالصة لفرقة أوبرا القاهرة وأوركسترا القاهرة السيمفوني، كما فتحت مسارحها للباليه والأوبرا الشعبية والموسيقى الحديثة.

وعلى مدار العقود الماضية، مرّت الدار بعدة تحولات محورية:
• في التسعينيات، كانت مركز النشاط الثقافي في العاصمة، تحت إدارة الدكتورة إيناس عبد الدايم لاحقًا، التي نقلت الأوبرا من النخبوية إلى رحابة الجمهور.
• بعد عام 2011، واجهت الدار أزمة التمويل وتراجع الحضور الجماهيري، لكنّها قاومت ببرامج جديدة ومهرجانات مفتوحة.
• في السنوات الأخيرة، عادت لتعيش مرحلة ازدهار نسبي، إذ باتت تشهد مواسم فنية متتابعة تضم حفلات عربية وأوبرات عالمية، وتوسّعت أنشطتها لتشمل المحافظات ومشروعات الشباب.

اليوم، تقف دار الأوبرا المصرية في مرحلة جديدة، بين إرثها العريق ورغبتها في التجديد.
لم تعد الأوبرا حكرًا على الصفوة كما كانت، بل أصبحت تفتح أبوابها للجميع، عبر مبادرات مثل “أوبرا في الشارع” و“أوبرا ريمكس”، وعروض بأسعار رمزية، وبث مباشر عبر المنصات الإلكترونية.

ورغم أن بعض النقاد يرون أن “جمهور الأوبرا لم يعد كما كان”، فإن مجرد استمرارها وسط ضجيج العصر الرقمي يُعدّ معجزة ثقافية؛ فهي لم تعد فقط بيتًا للموسيقى الكلاسيكية، بل رمزًا لصمود الوعي الجمالي في بلدٍ عرف كيف يجعل الفن جزءًا من هويته.

فمن الخديوي إسماعيل إلى يد اليابانيين، ومن رماد الحريق إلى وهج النور، ظلّت الأوبرا المصرية حكايةً من الحنين والإصرار، تسكن وجدان المدينة، وتذكّرها كل ليلة أن للضوء موسيقى، وللموسيقى وطنًا اسمه القاهرة

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء