رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أبطال الظل في نصر أكتوبر .. محمود سعادة عبقري وقود الصواريخ ( 2 )

محمد رفعت
محمد رفعت

في هدوء تام ودون ضجيج أو جنازة رسمية، رحل في يوم 28 ديسمبر عام 2011 الدكتور محمود يوسف سعادة، أحد أبطال الظل في معركة الكرامة، الذي تمكن بعبقريته العلمية الفذة من إنقاذ حرب أكتوبر المجيدة قبل اندلاعها بأشهر قليلة، حين واجهت مصر أزمة كادت تُعطل حائط الصواريخ، العمود الفقري للدفاع الجوي المصري.

 

قبل أربعة أشهر فقط من حرب أكتوبر 1973، وصلت تقارير إلى القيادة المصرية تُفيد بأن  وقود صواريخ الدفاع الجوي فقد صلاحيته، وأصبح غير قادر على تشغيل المنظومة، الأزمة كانت كارثية: "حائط الصواريخ" الذي يحمي القوات المصرية من الهجمات الجوية الإسرائيلية، كان مهددًا بالتوقف الكامل، بينما رفض الاتحاد السوفيتي – الذي كان يزوّد مصر بالوقود – أو إرسال أي كميات جديدة بعد طرد الخبراء السوفيت من البلاد عام 1972.
 

كانت كل التقديرات تشير إلى أن الحرب يجب أن تُؤجَّل، لأن أي هجوم دون مظلة دفاع جوي كان انتحارًا عسكريًا، داخل المعامل الفنية للقوات المسلحة تم اكتشاف صعوبة حل لغز مكونات الوقود المعقدة في وقت قصير ، حينها اتُخذ القرار باللجوء إلى العلماء المصريين المدنيين وكان من بينهم البطل المجهول الدكتور محمود يوسف سعادة ، أستاذ الكيمياء الصناعية بالمركز القومي للبحوث.


بدأ  محمود سعادة، العمل وسط ظروف شبه مستحيلة حيث لا توجد معادلات دقيقة للتركيبة، ولا بيانات كيميائية تفصيلية، والمكونات الأساسية غير متوفرة محليًا ، لكن ما امتلكه كان عقلًا علميًا فذًا، وإيمانًا لا يتزعزع بقدرة المصريين على الاعتماد على أنفسهم،  وفي غضون شهر واحد فقط ، تمكن سعادة وفريقه من استخراج نحو 45 طنًا من الوقود الصالح للاستخدام من المخزون التالف ، أعاد تفكيك مكونات الوقود إلى عناصره الأساسية، ثم أعاد تركيبه بعد معالجة كيميائية دقيقة، لتتحول المواد الميتة إلى طاقة صالحة لتشغيل الصواريخ.
تم اختبار الوقود الجديد في تجربة إطلاق حقيقية، وجاءت النتيجة مبهرة ، والصاروخ انطلق بكفاءة كاملة، وبهذه التجربة، استعاد حائط الصواريخ جاهزيته، وعادت الثقة للقيادة العسكرية بأن موعد المعركة يمكن أن يستمر كما هو مخطط له.
تقول شهادات عسكرية ووثائق منشورة ، السوفييت أنفسهم انبهروا من قدرة المصريين على إعادة إنتاج الوقود محليًا رغم أن شفرته كانت سرًا عسكريًا لديهم، فى حين أن  الدكتور محمود سعادة، لم ضابطًا في الجيش، ولم يشارك في الجبهة، لكنه كان أحد  جنود النصر الحقيقيين الذين قاتلوا في معامل الأبحاث بعقولهم وسهرهم.
واصل  سعادة بعد حرب أكتوبر، مسيرته العلمية في المركز القومي للبحوث وأكاديمية البحث العلمي ، وتولى إدارة مكتب براءات الاختراع في التسعينات.
نال جائزة الدولة التشجيعية و وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى ، لكنه ظل بعيدًا عن الأضواء، مكتفيًا بأن يرى بلاده تعيش في أمان بفضل ما قدم ، رحل الدكتور محمود يوسف سعادة في صمت عام 2011، دون جنازة عسكرية أو ضجيج إعلامي، تاركًا وراءه إرثًا علميًا وبطولة خالدة لا يعرفها كثيرون.
ولأنه من طينة العلماء الذين يكتبون التاريخ دون أن يسعوا للظهور، فإن ذكراه تستحق أن تُروى في كل كتاب عن بطولات حرب أكتوبر، لتعرف الأجيال أن النصر لم يكن بالسلاح فقط، بل بالايمان بالله وبالنفس وبالعقل المصري .
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء