رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

في اللحظة التي نجحت فيها القاهرة في فرض مبادرتها لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، بدا المشهد مغايرًا تمامًا لما كانت تسعى إليه الحركة خلال عامين من الحرب المدمّرة على قطاع غزة. فبينما علت أصوات الفرح في شوارع القطاع بعد الإعلان عن الهدنة، كانت القاهرة تستعيد دورها المركزي في معادلة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بينما وجدت حركة حماس نفسها في أضعف وضع سياسي وتنظيمي منذ تأسيسها.

التحرك المصري الأخير لم يكن مجرد جهد دبلوماسي، بل كان استعادة واعية لموقع مصر الطبيعي كضامن للاستقرار الإقليمي. فالقاهرة لم تنتظر موافقات مسبقة من واشنطن أو تل أبيب، بل فرضت رؤيتها بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية والأردن وقطر، لتصبح المبادرة المصرية الإطار الوحيد المقبول دوليًا لإنهاء الحرب، وفق أجندتها في دعم إقامة الدولة الفلسطينية، ومنع التهجير وتصفية القضية.

وبينما كانت إسرائيل تراهن على استمرار العمليات العسكرية لإضعاف المقاومة الفلسطينية، وجدت نفسها مجبرة على القبول بصيغة مصرية تحفظ ماء وجهها وتضمن إطلاق سراح الأسرى. أما واشنطن، صدقت على الخطة المصرية كخيار رئيسي لتجنّب انفجار إقليمي أوسع في لبنان واليمن والبحر الأحمر.

فرحة أهالي غزة - أرشيفية
فرحة أهالي غزة - أرشيفية

فرحة سكان غزة لم تكن انتصارًا لحركة "حماس"، بل تحررًا من كابوس الحرب والدمار والحصار الذي فُرض باسم "المقاومة"، تحت عباءة حركة حماس وتوجهات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، فبعد عامين من القصف المتواصل، وجد "الغزيون" أن حماس تحوّلت من حركة مقاومة إلى سلطة مغلقة، تدير الحرب من الأنفاق وتترك المدنيين في مواجهة الموت والجوع.

المفارقة تمثلت في أن الانتصار الحقيقي كان للمجتمع الفلسطيني المدني، الذي خرج من تحت الركام مطالبًا بالحياة لا بالشعارات متمسكا أرضه ودياره، ولأول مرة منذ 2007، تعالت الأصوات من داخل غزة تتحدث عن "اليوم التالي" دون حماس، وعن ضرورة استعادة المؤسسات الوطنية تحت مظلة السلطة الفلسطينية.

سقوط حماس هنا لا يعني نهاية الحركة تنظيميًا، بل انهيار مشروعها السياسي والعقائدي الذي قام على الجمع بين السلطة والمقاومة، وبين الولاء لإيران والارتباط بجماعة الإخوان والتنظيم الدولي، والانحصار في دور الوكيل العسكري والسياسي. لكن أثبتت تجربة الحرب أن هذا التناقض لم يعد قابلًا للاستمرار، وأن حسابات الأيديولوجيا لم تعد تصلح لإدارة واقع شديد التعقيد.

من الملاحظ أن المشهد الشرق أوسطي، تغيّرت معالم بيئته الإقليمية بالكامل: فتركيا لم تعد تعلي من النبرة الإخوانية في خطابها السياسي، وقطر أصبحت أكثر براجماتية في تعاملها مع الملفات الإقليمية، وإيران انشغلت بأزماتها الداخلية وبملف لبنان واليمن. في المقابل، استعادت القاهرة وحدها زمام المبادرة، مدعومة بشرعية إقليمية ودولية ترى فيها الوسيط الأكثر اتزانًا وقربًا من آمال وألام الشارع الفلسطيني.

فرحة أهالي غزة - أرشيفية
فرحة أهالي غزة - أرشيفية

بلا شك المرحلة المقبلة ستشهد إعادة رسم للخارطة الفلسطينية، فالمجتمع الدولي لن يقبل بعودة حماس ضمن المعادلة السياسية للحكم في قطاع غزة، كما أن إسرائيل تدرك استحالة استمرار الاحتلال المباشر، رغم الضغوط التي يمارسها اليمين المتطرف، ومن ثم تبرز مصر كضامن رئيسي لإعادة الإعمار وإعادة بناء السلطة الفلسطينية وتمكينها من القطاع.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تعريف "المقاومة" بمعناها السياسي والوطني، بعيدًا عن التوظيف العقائدي والأيديولوجي، فالمعركة لم تعد بين "المجاهدين" و"المحتلين" فقط، بل بين من يريد بناء دولة فلسطينية وطنية، ومن يريد بقاء القضية رهينة لمشروع أممي أصولي يتجاوز حدود فلسطين، ويدور في فلك القوى الإقليمية الخارجية.

حقا وبلا شك انتصر السيسي وانتصرت مصر، رغم حملات التشويه والتشكيك التي مارسها اللوبي الصهيوني الإخواني من الخارج والداخل، لكنها خارجت متعافية وعائدة إلى دورها الطبيعي في قيادة الإقليم، ونعم فرحت غزة لأنها وجدت أفقًا للحياة بعد عامين من الدمار والخراب، وسقطت حماس لأنها أرهقت الشعب الفلسطيني في معركة بلا أفق سياسي أو عسكري.

الهدنة ليست نهاية الحرب، لكنها نهاية وهم "المقاومة المعصومة" التي رفعت السلاح دون حساب، وأسقطت شعبها في دائرة لا تنتهي من الدم والخراب والتخريب، وتحولت لمبرر في أيد الكيان المحتل الذي وظفها في تنفيذ وتمرير مشروع التهجير والتمهيد لفكرة إسرائيل الكبرى" الذي يضعها على عتاق أولوياته اليمين الصهيوني المتطرف، فمن هنا يبدأ التحول الحقيقي: من منطق البندقية إلى منطق الدولة الوطنية الدستورية، ومن شعار التحرير إلى مشروع الحياة.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء