من نجيب محفوظ إلى كراسنهوركاي.. رحلة نوبل بين الشرق والغرب
من القاهرة إلى جيولا الصغيرة جنوب شرق المجر، بالقرب من الحدود الرومانية، ومن الواقعية المصرية إلى الرمزية المجرية، تمتد رحلة الأدب العالمي بين نجيب محفوظ ولازلو كراسنهوركاي، كأن جائزة نوبل للآداب أرادت أن تجمع في كفّتها الشرق والغرب، الواقع والأسطورة، الحارة المصرية والبلدة الأوروبية الغارقة في الكآبة.
رغم الفارق الزمني بينهما، فإن ثمة خيطًا خفيًّا يشدّ بين عالمي الكاتبين: الانغماس في جوهر الإنسان، والسعي إلى التقاط معنى الحياة وسط الفوضى.
محفوظ.. الواقعي الذي صاغ روح مصر
حين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل عام 1988، كانت القاهرة كلها تحتفل باسمها المتجسّد في روائيها الكبير. فقد قدّم محفوظ عبر أكثر من ثلاثين رواية مرآةً صادقةً للمجتمع المصري، وارتقى بالواقعية الاجتماعية إلى فلسفة إنسانية عميقة.
من عبث الأقدار وكفاح طيبة إلى الثلاثية واللص والكلاب والحرافيش، نسج محفوظ تاريخًا حيًّا من الحارة المصرية، كاشفًا تحوّلات الإنسان بين والحلم والخذلان.
كتب عن البسطاء والحالمين والفلاسفة الشعبيين، عن القاهرة التي تتنفس بالناس والشوارع والمقاهي، ليصوغ واقعية لا تخلو من الرمزية، فلسفية بلا ادعاء، قريبة من القلب والعقل في آنٍ واحد.
ترجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة، ودُرست في جامعات العالم، لتبقى سيرته الأدبية خالدة كأحد أعمدة السرد الإنساني في القرن العشرين.
كراسنهوركاي.. الكاتب المجري الذي يرى الجنون وجهًا آخر للواقع
بعد أكثر من ثلاثة عقود على نوبل محفوظ، يعود الضوء هذا العام إلى أوروبا الشرقية ليقف عند اسم لازلو كراسنهوركاي، ثاني كاتب مجري يفوز بالجائزة في الأدب بعد إيمري كيرتس.
ولد كراسنهوركاي عام 1954، واشتهر بأسلوبه الكثيف وجمله الطويلة المتدفقة التي تكاد تخنق القارئ بجمالها، كما لو كان يعيش داخل عقل شخصٍ يطارد فكرة واحدة حتى أقصى الجنون.
قال عن نفسه إنّه “يتأمل الواقع إلى حدّ الجنون”، ووصِف بأنه “هوسيّ” في لغته واشتغاله على التفاصيل.
في رواياته مثل كآبة المقاومة وتانغو الخراب وبارون وينكهايم يعود إلى الديار، يرسم عوالم عبثية مفعمة بالفوضى، حيث تنهار المدن الصغيرة كما ينهار الإيمان بالعالم.
أما فيلم تانغو الخراب الذي أخرجه بيلا تار عن روايته الأولى، فصار من كلاسيكيات السينما الأوروبية السوداوية.
نال كراسنهوركاي “جائزة مان بوكر الدولية” عام 2015، وجائزة أفضل كتاب مترجم عام 2013، وترجمت أعماله إلى عشرات اللغات، من بينها العربية عن دار “تنوير” بترجمة الحارث نبهان.
بين محفوظ وكراسنهوركاي.. القاسم الإنساني المشترك
قد يبدو نجيب محفوظ ابن الحارة الشعبية، وكراسنهوركاي ابن المدن الباردة في شرق أوروبا، لكن كليهما غاص في قلب الإنسان في كل حالاته، كلاهما اشتغل على السؤال الأبدي: كيف يعيش الإنسان وسط العبث؟
محفوظ طرحه من داخل المجتمع المصري، عبر واقعية تمشي على الأرض، بينما طرحه كراسنهوركاي من زوايا فلسفية رمزية، أقرب إلى كوابيس ما بعد الحداثة.
الأول بنى عوالمه بالوضوح والإيقاع الشعبي، والثاني بالظلال والجمل التي لا تنتهي، وكأن كلًّا منهما كتب عن وجهٍ مختلف للواقع ذاته: وجه يبتسم وآخريعبس.
في أدب محفوظ، القدر يطارد الإنسان في الأزقّة، وفي أدب كراسنهوركاي، الفوضى تسكن المدن الخربة والعقول الممزقة، كلاهما يرى في الأدب طريقًا لفهم الإنسان لا لتجميله.
نوبل بين الشرق والغرب
منذ عام 1901، مُنحت جائزة نوبل في الأدب 118 مرة، حازت عليها 18 امرأة فقط، كان آخرها الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ عام 2024.
لكن اسم نجيب محفوظ يبقى علامة فارقة، فهو الكاتب العربي الوحيد الذي عبر بالأدب المصري إلى العالمية من بوابة نوبل، تمامًا كما فعل كراسنهوركاي حين أعاد الاعتبار للأدب المجري الحديث.
وبين القاهرة وجيولا الصغيرة، يتواصل الحلم الإنساني بأن الأدب، رغم اختلاف لغاته ولهجاته، يظل لغةً واحدة تسكنها الروح ذاتها: روح البحث عن المعنى في عالمٍ يزداد غموضًا.