هل انتهى زمن الغلاء؟.. تقرير خاص يجيب السؤال الذي حير المصريين
رغم تراجع حدة التضخم وبدء استقرار أسعار السلع في الأسواق المصرية، يظل السؤال الأبرز في الشارع: هل انتهى زمن الغلاء؟، «إيجبتك» يفتح الملف بأرقامه وتحليلاته، لتقدم صورة شاملة لما يحدث فعليًا في الاقتصاد المصري، بعيدًا عن الانطباعات اللحظية.
التضخم يواصل التراجع
بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض معدل التضخم السنوي العام إلى 10.3% في سبتمبر 2025، مقابل 11.2% في أغسطس. كما سجل التضخم الحضري انخفاضًا إلى 11.7% خلال نفس الشهر، رغم ارتفاع شهري طفيف بلغ 1.8% نتيجة زيادة أسعار الخضروات بنسبة 12.2% والفواكه بنسبة 3.5%.
أما البنك المركزي المصري، فأكد في تقاريره أن التضخم الأساسي واصل التراجع إلى 10.7% في أغسطس، بعدما تجاوز 22% في بداية العام، مشيرًا إلى أن متوسط التضخم لعام 2025 سيستقر عند نحو 14%، مع اقترابه من النطاق المستهدف في الربع الأخير من عام 2026.
من التضخم الجامح إلى الاستقرار النسبي
من جانبه، أوضح الدكتور رائد سلامة، الباحث الاقتصادي وزميل كلية المحاسبين القانونيين الأمريكية، ومقرر مساعد لجنة التضخم بالحوار الوطني، أن التوقعات الأخيرة لوكالة «فيتش» بوصول التضخم إلى 14% بنهاية 2025 تمثل «مؤشرًا إيجابيًا واقعيًا»، لكنها لا تعني انخفاضًا فعليًا في الأسعار على المدى القصير.
وقال سلامة، في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»: حين ترتفع الأسعار بنسبة 35% في عام، ثم بنسبة 14% في العام التالي، فالمقارنة تُجرى على الأسعار الجديدة المرتفعة أصلًا، وليس على الأسعار القديمة، وبالتالي تظل الضغوط المعيشية قائمة رغم تحسن المؤشرات الرقمية.
وأشار إلى أن تراجع التضخم في مصر لا يرتبط فقط بالسياسات النقدية، بل أيضًا بتحسن نسبي في توافر العملة الأجنبية، موضحًا أن أزمة التضخم كانت في جوهرها أزمة دولار أكثر من كونها أزمة نقدية داخلية.
الإنتاج هو الحل.. لا الفائدة
وفي رده على سؤال «إيجبتك» حول موعد شعور المواطن بانخفاض الأسعار، شدد سلامة على أن الحل الحقيقي يبدأ من زيادة الإنتاج المحلي، لا من قرارات الفائدة، موضحًا أن «السردية الوطنية للتنمية» التي أعلنتها وزيرة التخطيط الدكتورة رانيا المشاط تمثل «خريطة طريق جادة» لتجاوز أزمة الأسعار.
وأضاف:"الوثيقة تربط بين القطاعات العينية والمالية والاجتماعية، وتركز على الصناعة والزراعة والسياحة لتوليد فرص عمل وعملة صعبة. لو تم التنفيذ بدقة، يمكن أن نبدأ نشعر بتحسن حقيقي بحلول عام 2026."
الفائدة تنخفض.. والأسواق تلتقط أنفاسها
أما الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد معطي، أكد أن قرار البنك المركزي بخفض سعر الفائدة 1% (100 نقطة أساس) جاء في توقيت مثالي، يعكس قراءة دقيقة لحركة التضخم.
وقال معطي، في تصريحات لـ «إيجبتك»: القرار استند إلى تراجع التضخم العام إلى 12%، والتضخم الأساسي إلى 10.7%، مع استقرار أسعار السلع الغذائية وتراجع تكاليف بعض السلع غير الغذائية، وهو ما خلق مساحة آمنة لخفض الفائدة دون ضغوط على الأسعار.
وأضاف أن هذا القرار سيسهم في تخفيف أعباء خدمة الدين على الموازنة العامة، ويزيد من السيولة داخل البنوك، ما يسمح بتوسيع حجم الإقراض ودعم النشاط الإنتاجي، خاصة في قطاعي الصناعة والعقارات.
وأشار معطي، إلى أن الخفض التدريجي للفائدة لن يعيد التضخم طالما ظل سعر الدولار مستقرًا، موضحًا أن الخطر الوحيد يكمن في رفع الأسعار الإدارية لبعض السلع مثل الوقود أو الطاقة.
من الاستقرار إلى التعافي
وتتفق التوقعات الدولية مع الرؤية المحلية؛ فبحسب صندوق النقد الدولي، بلغ التضخم ذروته عند 38% في سبتمبر 2023، قبل أن يتراجع بفضل حزمة دعم بقيمة 8 مليارات دولار ساعدت في تثبيت السوق، أما البنك الدولي، أكد أن تراجع التضخم يسهم في رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 3.8% في 2025.
وأشار سلامة أيضًا إلى أن توقعات «فيتش» بارتفاع الاحتياطي النقدي إلى أكثر من 50 مليار دولار ستكون ذات جدوى فقط إذا جاءت من التصدير والاستثمار لا من القروض، مؤكدًا أن الاحتياطي القوي لا يبنى بالاستدانة، بل بالإنتاج والتصدير، وأن عام 2026 سيكون اختبارًا حقيقيًا للاقتصاد المصري، خاصة مع تحسن الأوضاع الإقليمية واستئناف حركة التجارة في قناة السويس وبدء إعادة إعمار غزة.
الطريق لتقوية الجنيه
واختتم سلامة، حديثه مؤكدًا أن تقوية الجنيه المصري لن تتحقق إلا من خلال توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتطوير القطاع الزراعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي جزئيًا، مما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويخفف الضغط على العملة الصعبة.
وقال الباحث الاقتصادي وزميل كلية المحاسبين القانونيين الأمريكية، بوضوح إن السردية الوطنية للتنمية هي أول خطة اقتصادية واقعية تربط بين الإنتاج والتمويل والمجتمع، لكن التنفيذ والرقابة هما الفيصل لتحويل الأرقام إلى واقع يلمسه المواطن.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا أمام تعافي الأسعار بالكامل، فإن المؤشرات الحالية ترسم ملامح مرحلة أكثر استقرارًا وثقة في الاقتصاد المصري، ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح عام 2026 في أن يكون بداية النهاية لزمن الغلاء؟.

