رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كراسنَاهوركاي الفائز بجائزة نوبل 2025.. كاتب الفوضى الذي أعاد للأدب سؤاله الأزلي

الكاتب المجري لاسلّو
الكاتب المجري لاسلّو كراسنَاهوركاي

بعد إعلان فوز الكاتب المجري لاسلّو كراسنَاهوركاي بجائزة نوبل في الآداب لعام 2025، عاد الأدب الأوروبي إلى الواجهة، لكن هذه المرة من بوابة "الفوضى" و"اللايقين" و"الانهيار"، وهي العوالم التي صنع منها كراسنَاهوركاي مملكته الخاصة منذ أكثر من أربعة عقود.

الكاتب الذي ولد عام 1954 في مدينة جيولا المجرية، ليس من أولئك الذين يكتبون للراحة أو التسلية، بل هو كاتب يُرهق قارئه عمدًا، ويدفعه إلى الغوص في متاهات اللغة والفكر، ليجد نفسه أمام نصوص تُشبه العالم الذي نعيش فيه: متشابك، مرهق، ومليء بالأسئلة التي لا إجابات لها.

 

عالم منهار وجمل لا تنتهي

حين صدرت روايته الأولى "ساتانتانغو" (Sátántangó) عام 1985، بدا واضحًا أن الأدب المجري أنجب صوتًا مختلفًا.

الرواية تدور في قرية صغيرة مهدّمة بعد انهيار نظامها الاشتراكي، حيث يحاول الناس النجاة وسط الخراب، قبل أن يظهر رجل غامض يدّعي أنه منقذهم، لكنه في الحقيقة يجرّهم إلى مزيد من الخداع والضياع.

لم تكن القصة مجرد حكاية عن قرية، بل عن أوروبا الشرقية كلها بعد سقوط الأيديولوجيا، وعن الإنسان الذي لا يعرف كيف يعيش بلا وهم.

أسلوب كراسنَاهوركاي في هذه الرواية كان صادمًا: جمل طويلة تمتد لصفحات كاملة دون نقطة توقف، وكأن القارئ يسير في دوامة لا تنتهي، تشبه الحياة نفسها. لذلك وصفه النقاد بأنه “كاتب الفوضى المنضبطة”، الذي يستخدم اللغة لتجسيد انهيار العالم.

حين تتحول الفوضى إلى فلسفة

في روايته الثانية "كآبة المقاومة" (The Melancholy of Resistance)، التي صدرت عام 1989، تتجسد رؤية الكاتب للعالم كمكان ينهار تحت وطأة الخوف والعجز، تدور الأحداث في بلدة هادئة يصلها سيرك غريب يحمل حوتًا ميتًا، ومعه تبدأ سلسلة من الفوضى والاضطرابات، فتتحول البلدة إلى مرآة لقلق الإنسان الحديث، الذي يخشى المجهول أكثر مما يخشاه من الشر ذاته.

من خلال هذا العمل، يتعامل كراسنَاهوركاي مع الإنسان ككائن هش، يسعى دائمًا إلى نظامٍ ما، لكنه في الوقت ذاته يخاف منه، كأن الفوضى، في نظره، قدرٌ لا مفرّ منه، وأن النظام نفسه مجرد قناعٍ هش يخفي العبث.

الكتابة ضد الزوال

أما روايته الأشهر عالميًا "حرب وحرب" (War & War)، فتأخذ القارئ إلى تجربة وجودية خالصة، بطل الرواية موظف أرشيف بسيط يكتشف مخطوطة قديمة، فيقرر السفر إلى نيويورك لنشرها على الإنترنت قبل أن تموت معه، في محاولة لإنقاذ "نص" من النسيان وسط عالمٍ يتلاشى فيه المعنى.
الرواية تأملية، حزينة، ومشحونة بالأسئلة عن الذاكرة والخلود، وتكشف كيف يرى الكاتب الأدب نفسه وسيلةً للبقاء في مواجهة الفناء، يكتب كراسنَاهوركاي كما لو كان يخوض معركة ضد الزوال، وكأن الكتابة عنده ليست مهنة، بل فعل مقاومة في وجه الانهيار.

لغة تصنع الإيقاع لا الزخرفة

ما يميز كراسنَاهوركاي ليس فقط أفكاره، بل طريقته في جعل اللغة إيقاعًا موسيقيًا متواصلًا، هو لا يكتب جملًا قصيرة ولا يحب الإيجاز، بل يمدّ السرد إلى أقصاه، ليخلق من التكرار والبطء والمونولوج الداخلي تجربة تشبه التنويم، القارئ في أعماله لا يجد متعة سهلة، بل يشارك الكاتب في بناء النص، في التفكير، في التعب، ولعل هذا ما جعل الناقد الأميركي جيمس وود يصفه بأنه “كاتب نهاية العالم”، ليس لأنه يصف الكوارث، بل لأنه يكتب من قلبها.

نوبل للفوضى الجميلة

فوز كراسنَاهوركاي بجائزة نوبل لم يكن تكريمًا لكاتب مجري فقط، بل احتفاءً بنمط كتابة يُعيد للأدب سلطته القديمة: أن يكون سؤالًا لا إجابة، وتأملًا لا وعظًا.
إنه كاتب يعيد تعريف معنى الرواية، ويذكّرنا بأن الأدب لا يعيش بالترفيه، بل بمواجهة الحقيقة كما هي: قاسية، فوضوية، ومليئة بالجمال الحزين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء