رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من محمود مختار إلى آدم حنين.. تاريخ النحت المصري الحديث

تمثال نهضة مصر
تمثال نهضة مصر

الفن في مصر يخرج من رحم الأرض كما يخرج القمح من الطين، تعلم الإنسان منذ آلاف السنين أن الحجر ليس جمادًا، بل ذاكرةٌ تخلّد وجدان أمة، ظل النحت المصري واحدًا من أكثر الفنون صدقًا في التعبير عن الذات.


من جدران المعابد في طيبة إلى الميادين الحديثة في القاهرة، كانت يد المصري ـ  القديمة والحديثة ـ تمسك بالإزميل كمن يمسك بالقلم، تكتب به تاريخها على وجوه الآلهة، والملوك، والفلاحين، والمحبين، منه بدأت رحلة النحت المصري الحديث، رحلة طويلة امتدت من “نهضة مصر” إلى “طيور آدم حنين”، مرورًا بأجيالٍ صنعت ملامح جديدة للجمال والمعنى، حتى صار النحت المصري مدرسة قائمة بذاتها، تعبّر عن الإنسان بقدر ما تعبّر عن الوطن.

 

محمود مختار .. نهضة مصر

 

وفي مطلع القرن العشرين، حين كانت مصر تبحث عن هويتها بعد الاستعمار، نهض من بين أبنائها شاب اسمه محمود مختار، حمل الإزميل ليعيد صياغة الوعي الوطني في تمثال من حجر، وليخرج من بين أنامله تمثال نهضة مصر، التمثال الذي لم يكن مجرد رمز سياسي، بل ولادة جديدة لفن النحت في مصر الحديثة.

أعاد مختار للكتلة الحجرية روحها، وربط بين العظمة الفرعونية والوجدان الشعبي، فصار الأب الروحي للحركة النحتية الحديثة.


من البطل الوطني إلى الإنسان اليومي

بعد رحيل مختار، تسلّم الراية جيل آمن أن الفن لا يعيش فقط في التماثيل التذكارية، بل في الإنسان البسيط، في الوجوه المجهدة التي تصنع الحياة.


ظهر جمال السجيني بروحه المتمرّدة، يطرق الحديد ليحوله إلى قصيدة، يجسّد المعاناة والبطولة في وجوه المصريين، في الأمومة، في العامل، في الجندي، في ملامح الوطن الذي لا يهدأ.

السجيني مثل مرحلة متميزة فى تطور فن النحت المصرى الحديث، دخل إلى مدرسة الفنون الجميلة فى العام 1933 ثم نال جائزة مختار للنحت 1937 وهو طالب، وتخرج عام 1938 وسافر فى بعثة، وكان منهجه فى أول حياته الفنية منهجا رومانتيكيا أسوة بأستاذه (كلوزيل) ولكنه سرعان ما اندمج فى أحداث مصر التى كانت مدوية وصراعات عنيفة بين القوى الوطنية وبين قوى الاستعمار، ومن يسانده وتركت هذه الأحداث والصراعات فى نفسه الحساسة آثاراً عميقة ظهرت فى إنتاجه.

عبد الهادي الوشاحي


وجاء عبد الهادي الوشاحي ليعيد للنحت توازنه، متأمّلًا الكتلة كفكرة روحية قبل أن تكون شكلًا. كانت أعماله حوارًا بين الضوء والظل، بين الداخل والخارج، بين الإنسان والفضاء.

تماثيله معظمها لبشر فى حالات تشنج ومعاناة، بشر يبحثون عن الحرية ، الوشاحى معنى بالانسان ويحول خلاصة وحريته إلى قيم نحتية جمالية .
 استطاع ان يحرر تماثيله من الخامات ( النبيلة ) التقليدية التى تفرض بطبيعتها الثقيلة ( حديد - جرانيت - رخام - برونز - خشب ) على الأعمال المنفذة بها الرسوخ والاستقرار واحيانا كثيرة الجمود .

ويصا واصف وأنور عبد الملاك وحامد ندا

في الخلفية، كان هناك أيضًا رمسيس ويصا واصف وأنور عبد الملاك وحامد ندا، الذين أدخلوا الخامات الطبيعية والبساطة الشعبية في التكوين، فصار النحت قريبًا من نبض الأرض، لا من صالات القصور، لقد نقلوا النحت من فخامة النصب التذكاري إلى حميمية الحياة اليومية.


الستينيات والسبعينيات.. من الوطني إلى الفلسفي

مع جيل الستينيات، بدأ النحت المصري يسأل: من أنا؟ خرج الفن من معطف القومية إلى فضاء الفلسفة، من تمجيد الرموز إلى تأمل الذات.

صلاح عبدالكريم


ظهر صلاح عبد الكريم، الفنان الذي جعل المعدن ينحني لخياله، وجعل من القطع المهملة حياة جديدة.

 تميزت رؤية  صلاح عبد الكريم  فى تماثيله الحديدية بالمضمون الإنسانى المتزن مع الشكل ( التجميعى البنائى ) الذى ظهرت فيه المهارة والإتقان ممثلة فى تمثال البومة حين شكله من المسامير ، كما تميز  صلاح عبد الكريم  بالتنوع الإبداعى بالإضافة إلى غزارة الإنتاج وقد شكل تمثالاً لثور من الحديد .

التجريد 


ثم جاء عز الدين حمودة وعمر النجدي وغيرهم ممن استخدموا التجريد كوسيلة للبوح، حيث الشكل لم يعد يهم بقدر ما يهم الإحساس بالحركة والجوهر.

في هذه الفترة، صار النحت المصري جزءًا من الحركة التشكيلية العالمية، لكنه ظلّ مختلفًا؛ لأن خلف كل منحوتة ظلّ هناك “طمي النيل” يلمع في العمق.

 


آدم حنين.. عودة الطفولة إلى الحجر

ثم جاء آدم حنين، الفنان الذي اختزل قرنًا من البحث في لحظة صفاء.
ولد عام 1929، ودرس في أكاديمية الفنون، ثم رحل إلى باريس، لكنه ظلّ يحمل في قلبه “دفء الطين” حين تنظر إلى تماثيله، تجد البساطة كأنها حكمة قديمة.
لا صخب، لا استعراض، فقط كتلة هادئة تنبض بإنسانيتها: طائر، وجه، قطة، مركب، أو حجر يهمس كما يهمس النيل عند الغروب.


وحين أسس متحفه في جزيرة الذهب بالجيزة، بدا وكأنه يردّ الجميل، أعاد النحت إلى الأرض التي أنجبته كان آدم حنين “النقطة الهادئة في نهاية سطر طويل”، لكنه في الحقيقة بداية لسطر جديد.

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء