رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«كلهم خانوها».. حكاية أزمة القصيدة العامية من فؤاد حداد إلى جيل «السوشيال ميديا»

الشاعر فؤاد حداد
الشاعر فؤاد حداد

تبدو قصيدة العامية المصرية اليوم كأنها فقدت بريقها الذي طالما أضاء وجدان المصريين والعرب معًا، وبدت وكأنها ضحية خيانة مزدوجة؛ من النقاد الذين تجاهلوها، ومن الشعراء الجدد الذين اختاروا الطريق الأسهل نحو الشهرة لا الشعر، فبين تاريخ طويل من الريادة والابتكار، وواقع مرتبك تسوده العروض الاستعراضية، تطرح القصيدة العامية سؤالها الصعب: من الذي خانها أولًا؟

الشاعر صلاح جاهين
الشاعر صلاح جاهين

ريادة ضاعت في الزحام

منذ بداياتها الأولى، كانت القصيدة العامية المصرية ظاهرة فريدة في المشهد الأدبي العربي، لا من حيث لغتها القريبة من الناس فحسب، بل من حيث قدرتها على تجاوز حدود اللهجة لتصل إلى وجدان كل عربي من المحيط إلى الخليج، فهي القصيدة التي حملت أصوات الناس البسطاء، وعبّرت عن مشاعرهم وأحلامهم، وصاغت وجدان جيلٍ كامل من خلال أسماء لامعة مثل صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وفؤاد حداد، الذين رفعوا القصيدة العامية إلى مرتبة الشعر الحقيقي، لا مجرد «زجل» أو «قول دارج».

الشاعر سيد حجاب
الشاعر سيد حجاب

لكن خلف هذا المجد الإبداعي الكبير، يقف رجل قلّما ذُكر اسمه بالقدر الذي يستحقه، سيد خميس، الناقد والشاعر الذي يُعتبر المؤسس الحقيقي لمصطلح «شعر العامية المصرية» وصاحب الفضل في ترسيخ هذا الشكل الأدبي ضمن جماعة «ابن عروس» في ستينيات القرن الماضي، والتي ضمت إلى جانبه جاهين والأبنودي وحجاب، كان خميس يرى أن الشعر العامي ليس فرعًا من الزجل أو فن القول، بل هو امتداد طبيعي للوجدان الشعبي المصري، وقادر على أن يواكب تطورات العصر ويخلق لنفسه جماليات جديدة تتجاوز الإيقاع والغنائية.

الشاعر عبد الرحمن الأبنودي
الشاعر عبد الرحمن الأبنودي

سيد خميس.. المؤسس المنسي

لم يكن سيد خميس شاعرًا تقليديًا، بل كان مفكرًا حقيقيًا في الشعر، كرّس جهده لربط «التراث الشعبي» و«شعر العامية» باعتبارهما الجذر الحقيقي للهوية الثقافية الوطنية، مؤمنًا بأن الثقافة القومية لا يمكن أن تبنى إلا على أساس متين من وجدان الناس وموروثهم.

في إحدى مقابلاته قال: «كانت إعادة قراءة التراث الشعبي من وجهة نظر منحازة للطبقات التي أبدعته تقتضي إعادة قراءة التاريخ المصري والعربي من هذه الزاوية».

ورغم جهده في تأصيل هذا الفن، لم يحظَ خميس بالاهتمام النقدي الكافي، فظلت جهوده مطموسة في الظل، بينما طغت أسماء الشعراء الكبار على الواجهة، حتى حين أصدر الدكتور صلاح فضل كتابه الشهير «شعر العامية.. من السوق إلى المتحف»، قبل سنوات من رحيله، اقتصر فيه على تناول جيل الستينيات دون التعمق في الأجيال التالية، فبقيت قصيدة العامية الحديثة بلا قراءة نقدية جادة أو متابعة أكاديمية.

من الستينيات إلى التسعينيات.. زمن الذهب

يصف الكاتب عبد الوهاب داود، في فصل كتابه «معادلات مختلة في براح الاختلاف ومستصغر الشرر»، فترتي الثمانينيات والتسعينيات بأنهما «الجيلان الذهبيان» في الشعر المصري، حيث بلغت قصيدة العامية ذروة نضجها.

الكاتب عبد الوهاب داود
الكاتب عبد الوهاب داود

في تلك الفترة، لم تكن القصيدة مجرد كلمات تلقى في المقاهي أو المسارح، بل نصوص شعرية حقيقية تلامس الفلسفة والوجدان الإنساني، كتبها شعراء مثل مجدي الجابري وإبراهيم عبد الفتاح وطاهر البرنبالي وصادق شرشر وطارق هاشم وعصام عبد الله وعمر طاهر وغيرهم.

كانت هذه القصائد تُقرأ في صمت، لا تُصرخ على المسرح، كانت تضيء الوعي لا تثير الحشود، وتعيد للقارئ رؤيته لنفسه وللعالم من حوله، قصيدة العامية آنذاك كانت تعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية في صورة شعرية مدهشة، تتجاوز الهتاف والمباشرة.


الانتكاسة الكبرى.. حين صمت النقاد وتكلم «الزجالون»

لكن منذ بدايات الألفية الجديدة، بدأ كل شيء يتغير، انزوت قصيدة العامية الحقيقية خلف ضجيج «الشعراء الجدد»، الذين نقلوا القصيدة من فضاء الأدب إلى فضاء «العرض الترفيهي»، لم تعد القصيدة تُكتب لتُقرأ، بل لتُؤدى أمام الكاميرا بصوت جهوري وتعبيرات مسرحية مبالغ فيها، كأنها فقرة استعراضية لا نص أدبي.

يقول داود في تحليله إن «أغلب ما يُكتب ويُقال اليوم باسم شعر العامية لا يمت بصلة لما بدأه الكبار، بل هو مجرد تكرار باهت لأزجال بيرم التونسي ومربعات ابن عروس، دون روح ولا فكرة».

ويضيف أن «الانتكاسة الحقيقية بدأت حين غاب النقد الأدبي تمامًا، فصمت النقاد الكبار منذ رحيل سيد خميس، وتركوا الساحة لمن يخلط بين الشعر والمسرح، وبين الإبداع والتمثيل».

وقد ساهمت حالة السيولة الإعلامية بعد ثورة يناير في تضخيم هذا الخلط، حين بدأت البرامج التلفزيونية تستضيف من يكتبون “كلمات موزونة” على أنها قصائد ثورية، ويتم تقديمهم كورثة الأبنودي وجاهين ونجم، بينما لا يجمعهم بهم سوى التشابه في النطق أو الأداء.
يقول داود ساخرًا: «الأبنودي ونجم وجاهين أبرياء مما يُقترف اليوم بأسمائهم».


من الشاعر إلى «المؤدي».. حين صار الشعر وظيفة مدفوعة

واحدة من أكثر التحولات خطورة في مسار القصيدة العامية، بحسب الكاتب، هي التحول من الشاعر إلى «المؤدي» أو «المتربح»، فلم يعد الشاعر يسعى إلى التعبير عن الناس، بل إلى تحقيق مكسب شخصي وشهرة سريعة، يستشهد داود بواقعتين عاشهما بنفسه لتوضيح الفارق بين جيل الكبار وجيل “المؤثرين” الجدد.

في الأولى، يحكي عن لقاء جمعه بالشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم عام 2003 حين عرض عليه أن يكتب لجريدة أسبوعية، وافق نجم دون أن يسأل عن المقابل المالي، وقال ضاحكًا: «إنت إيه رأيك؟»، ثم أضاف أنه يمكن إعادة نشر مقالاته القديمة بدلًا من كتابة جديدة، لأن المهم أن تصل الفكرة لا أن تُقبض النقود.
على العكس تمامًا، يروي داود واقعة أخرى بعد عشر سنوات، حين عرض أحد رؤساء التحرير على هشام الجخ كتابة مقال أسبوعي، فاشترط الأخير مبلغًا كبيرًا مع قائمة طويلة من الطلبات، بينها أن تُنشر صورته في الصفحة الأولى.
يعلق داود على هذا الموقف قائلًا: «هكذا سقطت القصيدة من مقامها كفنٍّ إلى مجرد عرضٍ للبيع».

حفلات الشعر.. بين الإبداع والتجارة

تغوّل ظاهرة «حفلات الشعر» أيضًا زاد من تشويه الصورة، فالكثير من هذه الفعاليات تحولت إلى منصات استعراض، أو وسيلة ترفيهية لبعض الميسورين الباحثين عن ملء فراغ الوقت بسماع «قفشات موزونة»، ويحذر داود من هذا الانزلاق قائلاً: «لا أتصور أن صفوة عقول الأمة يمكن أن تتحول إلى مجرد أراجوزات تُستخدم للترفيه أو لغسيل سمعة أصحاب المال والسلطة تحت لافتة الثقافة».

ويضيف: «لا أطالب الشعراء بأن يعيشوا البؤس والفقر، لكنني أرفض أن يتحول الشعر إلى وظيفة لمن يدفع أكثر»، في رأيه، هناك مساحة ممكنة بين الكفاف والارتزاق، بين المتنبي الذي مدح كافور ثم سبه، وعبد الحميد الديب الذي كتب البؤس في شعره، الشاعر الحقيقي هو من يعيش بكرامة دون أن يبيع موهبته.

قصيدة العامية.. من الخلود إلى الغياب

إن أزمة قصيدة العامية المصرية اليوم ليست أزمة لغة ولا ذائقة، بل أزمة موقف وفهم، فالعامية التي كانت لغة الفن والوعي الشعبي تحولت إلى وسيلة استسهال، والقصيدة التي كانت مرآة للناس أصبحت مرآة للغرور، وإذا كان النقاد قد قصّروا في إنصافها، فإن كثيرًا من الشعراء الجدد ساهموا في إضعافها بتسطيح المعنى وإهمال الجمال، لكن رغم كل شيء، تبقى قصيدة العامية المصرية – كما يقول عبد الوهاب داود – «القصيدة المحلية الوحيدة التي استطاعت أن تواكب تطور الكتابة الحديثة دون أن تفقد هويتها»، ولا تزال قادرة على العودة إلى مجدها متى وجدت من يكتبها بإخلاص، وينقدها بوعي، ويقرأها كفنٍّ لا كوسيلةٍ للترفيه أو التربح.

«كلهم خانوها» ليست مجرد عبارة قاسية، بل صرخة وجع من قلب مشهد أدبي خسر توازنه، خيانة النقاد بصمتهم، وخيانة الشعراء باستسهالهم، وخيانة الإعلام بانبهاره بالمظهر على حساب الجوهر، لكن قصيدة العامية المصرية، التي خرجت من أزقة القاهرة وبيوت الصعيد ونجوع الدلتا لتغزو العالم العربي، قادرة على أن تنهض من جديد، فما زال في وجدان المصريين ما يكفي من الشعر، وما يكفي من الحب، لإنقاذها من خيانة الجميع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء