رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من يملأ الفراغ؟.. أزمة ارتفاع إيجارات معرض القاهرة للكتاب تهدد حضور الناشرين

معرض القاهرة الدولي
معرض القاهرة الدولي للكتاب

في كل عام، يشكّل معرض القاهرة الدولي للكتاب عرسًا ثقافيًا ينتظره عشاق القراءة، وملتقى للناشرين والكتّاب والجمهور من مختلف الأعمار، لكن الدورة المقبلة من المعرض تبدو مهددة بظل أزمة جديدة ألقت بظلالها على المشهد الثقافي، بعد إعلان ارتفاع أسعار إيجارات الأجنحة بصورة وصفتها دور النشر بأنها "غير مسبوقة"، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل الكتاب ذاته: إذا غابت الكتب.. من يملأ الفراغ؟

 

يبدو السؤال أكبر من مجرد أرقام أو عقود إيجار، فالقضية تمسّ جوهر العلاقة بين المؤسسة والناشر والقارئ، فالكتاب ليس سلعة عادية يمكن قياس قيمتها بالعائد المادي، بل هو ركيزة وعي وأداة بناء فكري للأجيال، وعندما ترتفع تكلفة عرضه على الجمهور، يصبح الوصول إلى المعرفة رفاهية لا يقدر عليها إلا القليلون.

الناشرون يؤكدون أن الزيادة الأخيرة في الأسعار تهدد بغياب عدد كبير من دور النشر الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل في الحقيقة قلب المشهد الثقافي المصري والعربي، هذه الدور لا تمتلك دعمًا مؤسسيًا أو تمويلاً ثابتًا، وتعتمد على معارض الكتب كمنصة رئيسية لتوزيع إنتاجها، والتواصل مع القراء مباشرة. وبالتالي، فإن أي تضييق اقتصادي عليها ينعكس فورًا على تنوع المعروض الثقافي، وعلى فرص القارئ في اكتشاف أصوات جديدة وأفكار مغايرة.

تاريخيًا، كان معرض القاهرة الدولي للكتاب رمزًا للريادة الثقافية في المنطقة، ومساحة للتفاعل بين الثقافة الرسمية والمستقلة، بين الكتاب التجاري والفكري، بين القراء من مختلف الطبقات الاجتماعية، وإذا تراجع حضور الناشرين بسبب الأعباء المادية، فإن الفراغ لن يملأه أحد، ستظل القاعات مشرقة بالديكور، لكن بلا مضمون، وسيغيب صوت الورق لصالح الضجيج.

في زمن تراجعت فيه القراءة أمام سطوة المحتوى السريع والمقاطع القصيرة، يصبح دعم الكتاب واجبًا لا ترفًا. فالكتاب الورقي ما زال، رغم التحولات الرقمية، هو المصدر الأكثر موثوقية وعمقًا لتشكيل الوعي، وحين تغيب دور النشر المستقلة ويختفي الكتاب من الساحة، يزداد الخواء الثقافي ويتراجع الحس النقدي، ويتحوّل المجتمع إلى متلقٍّ سلبي لا قارئ فاعل.

ربما يحتاج صانع القرار إلى أن يدرك أن الاستثمار في الثقافة ليس عبئًا ماليًا بل حماية لهوية الوطن، فكل كتاب يُعرض في معرض القاهرة هو مشروع وعي، وكل ناشر يُمنح فرصة هو جسر بين الفكر والمجتمع، أما إذا استمر تضييق الخناق على صناعة النشر، فسنواجه مستقبلًا تغيب فيه الكتب.. ويملأ الفراغ من لا يملك سوى الصخب.

فالثقافة لا تُقاس بالعائد الاقتصادي، بل بما تتركه من أثر في العقول والضمائر، وحين يُغلق باب الكتاب أمام الناس، يُفتح الباب واسعًا أمام الجهل والتشويه.
وذلك هو أخطر ما يمكن أن نواجهه كمجتمع يسعى لأن يظل منارة للفكر والتنوير.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء