معديات الموت.. «إيچبتك» يعايش معاناة المواطنين داخل مراكب الوراق والبحر الأعظم
- معدات متهالكة تفتقر مقومات الأمان
- مواطنون: بنشوف الموت يوميًا.. ولا توجد وسيلة نقل بديلة
- خبير أمني: الحمولة الزائدة والإهمال وراء تعرّض حياة المواطنين للخطر
- محسن النعماني: وهم البحث عن الربح السريع يؤدى إلى كارثة
تفتقر كثيرٌ من المعديات لعوامل الأمان والسلامة، مثل وجود أدوات إطفاء، وأدوات إنقاذ تُناسب عدد ركابها، والالتزام بالحمولة المحددة لها، وإجراء الصيانة الدورية التي تضمن سلامة المركب وتحفظ أرواح ركابها. هذا ما رصدته «إيچبتك» من خلال تفقد عدد من المعديات النيلية.
البداية من جزيرة البحرين – شارع البحر الأعظم
المعدية هناك عبارة عن مركب يبدو عليه التهالك، يقودها شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، يقوم كل صباح بشد "جنزير" مُثبت على شطّي الجزيرة لتحريك المركب في مدة لا تتجاوز خمس دقائق. في المساء، يتبدل الدور مع رجل طاعن في السن يبلغ من العمر ستين عامًا، يقوم بجمع مبلغ 6 جنيه من كل راكب.
المركب يُقِل أكثر من عشرين فردًا، بينهم أطفال يحملون شنطهم في طريقهم لأداء امتحانات نهاية العام الدراسي. ومن المدهش والغريب أن الأطفال والصبية والشباب يتجولون في العبارة ويقفون على حوافها دون أدنى شعور بالخطر وكأنهم لا يُدركون أنهم معرضون للسقوط في قاع النهر.
(محمد)، أحد سكان جزيرة البحرين، يقول: «اعتدت ركوب المعدية يوميًا لأكثر من مرة لشراء احتياجاتي»، مضيفًا: «الحياة داخل الجزيرة هادئة، لكن لا توجد خدمات، ولما المياه بتقطع، بحمل جراكن المياه من خارج الجزيرة».
أما "رضا محمد"، وهي ربة منزل، فمعاناتها لا تتوقف عند شراء الخضار، بل تمتد إلى حمل جراكن المياه هي وأطفالها الذين لا تتجاوز أعمارهم 8 سنوات، وتقضي ساعات طويلة للحصول على رغيف الخبز، وتقول: «معندناش ولا فرن بلدي، مع إن إحنا كتير، وبنضطر نروح لشارع البحر الأعظم علشان نلاقي العيش المدعّم».
السيدات على جانبي شريان الحياة لا يتوقفن عن الشكاوى، تقول "أم محمد"، وهي تجلس على دكّة خشبية متهالكة تنتظر المعدية: «إحنا تعبنا من المشوار كل يوم علشان نشتري احتياجات البيت، وبعد ما نعدي بنركب مواصلة تانية للخضار».
وتُضيف "مدام ياسمين": «المعدية هي الوسيلة الوحيدة للخروج والدخول للجزيرة. المدرسة والدروس برا الجزيرة، والمدرسين بيرفضوا يجوا بسبب المعدية. لما والدي مرض في نص الليل، الإسعاف النهري وصل بعد ربع ساعة، بس الحوادث المتكررة بتخلينا دايمًا قلقانين».
وأكدت أن المعدية تفتقد لأدنى مواصفات الأمان، فلا توجد أطواق نجاة أو سترات نجاة، أو حتى طفايات حريق، وأفراد الطاقم لا يلتزمون بالحمولة المقررة.
جزيرة الوراق.. الوضع لا يختلف كثيرًا
في جزيرة الوراق، هناك معديتان؛ إحداهما في اتجاه شبرا وتُقلّ الأفراد بتكلفة 10 جنيهات، ويقودها شاب، لكنها خالية تمامًا من أدوات السلامة.
المعدية الثانية تنقل العربات الملاكي والنقل وتتوفر بها ساتر لمنع السيارات من الانزلاق، وسعر تحميل السيارة 20 جنيهًا، بينما سعر تذكرة الفرد 5جنيهات، ويعمل بها 5 أفراد.
"أحمد عادل"، موظف بإحدى الشركات، وأحد مستخدمي المعدية، قال إن مشكلات المعديات تُعد خطرًا مزمنًا، ويتطلب تدخلًا عاجلًا وبدائل آمنة، خاصة مع تكرار الحوادث.
وأضاف أن أغلب المعديات متهالكة، لا تخضع لصيانة دورية، وتفتقر لمواصفات الأمان. وطالب بضرورة تشديد الرقابة والتفتيش القانوني على التراخيص، منعًا لتكرار كوارث مثل حادث أبو غالب، الذي راح ضحيته العشرات من الفتيات.
"محمد توفيق"، 35 عامًا، قال إنه يستخدم المعدية يوميًا للذهاب إلى عمله بالمهندسين، ويُفضل البقاء في الجزيرة أثناء الإجازات. وأوضح أن المعدية لم تتغير منذ أن وُلد، ولم يتم تحديثها أو استبدالها.
وأشار إلى أنه سأل أحد العاملين عن عمر المعدية، فكان الرد: "ما اعرفش غير تشغيلها.. اتعلمتها من الأسطى اللي كان قبلي".
"أم حسن" تُقيم في الجزيرة منذ زواجها عام 2013، وتقول إنها تستقل المعدية مرة في الأسبوع لزيارة والدتها في إمبابة، لكنها تخاف منها بسبب قصص الحوادث المتكررة، وتُفكر جديًا في الانتقال خارج الجزيرة.
أما "الحاج أحمد عثمان"، مدير عام على المعاش، فيقول إنه يركب المعدية فقط لصرف المعاش أو الذهاب للطبيب. ويتمنى وجود طريق يربط الجزيرة بالبر، أو استبدال المعديات الحالية بأخرى أكثر أمانًا.
وأضاف أنه لا يمانع في مضاعفة سعر التذكرة، بشرط الشعور بالأمان.
في حين يرى "عمر"، طالب في السنة النهائية بكلية الحقوق، أن المعدية النيلية وسيلة ترفيهية أيضًا، لكنه أشار إلى ضرورة وجود رقابة ليلية للحد من المخالفات.
الكوبري هو الحل؟
خبراء الأمن يؤكدون أن "كوبري مشاة" قد يكون كلمة السر لإنقاذ الأهالي من الجسور المتهالكة.
ويقول اللواء مجدي الشلقاني، مساعد وزير الداخلية للحماية المدنية الأسبق، إن المعديات يجب أن تخضع لاشتراطات خاصة، مع تحديد الحمولة بدقة، لمنع الغرق بسبب الوزن الزائد.
وأشار إلى أن بعض المناطق يصعب إنشاء كوبري فيها بسبب طبيعتها الجغرافية، لذا يتم اللجوء إلى المعديات، لكن يجب أن تكون مؤمنة ومُرخصة.
أما اللواء محسن النعماني، وزير التنمية المحلية الأسبق، فقال إن هناك إجراءات واضحة لترخيص المراكب النيلية، ويجب التأكد من صلاحية المركب، والالتزام بالقوانين، ووجود أدوات الأمان.
وأضاف أن تحميل أعداد زائدة ظنًا بتحقيق الربح "وهم"، يؤدي إلى كوارث. مطالبًا بالتفتيش المفاجئ من الشرطة النهرية، والتأكد من صلاحية العاملين والطاقم المسؤول.
واختتم النعماني تصريحه قائلًا: "يجب أن يكون هناك التزام تام بالأمان، وأدوات الإنقاذ، والحمولة المقررة، والصيانة الدورية، لأن حياة الناس مش لعبة