القوة الناعمة في معترك عالمي.. حلم العرب بـ «قيادة اليونسكو» عبر العقود
منظمة اليونسكو (UNESCO)، هي اختصار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أُسست عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، في محاولة لزرع السلام عبر أدوات الفكر والثقافة لا القوة والسلاح.

تعمل المنظمة على حماية التراث الإنساني، وتشجيع التعليم، وضمان حرية الإعلام، ورعاية التعاون العلمي والثقافي بين الشعوب.
يقع مقرها في باريس، وتضم أكثر من 190 دولة عضوًا، ويعد منصب مديرها العام من أهم المناصب الثقافية في العالم، إذ يجمع بين الرمزية السياسية والدبلوماسية والثقافية.
العرب واليونسكو.. طموح ممتد من الخمسينيات
منذ انضمام الدول العربية إلى المنظمة في خمسينيات القرن الماضي، ظل الحضور العربي فيها دون التمثيل الذي يظهر ثقلها الحضاري والثقافي.
على الرغم من مساهمات باحثين عرب في لجان التعليم والثقافة، فإن حلم وصول شخصية عربية إلى كرسي المدير العام لليونسكو ظل مؤجلًا لعقود، لكن السنوات الأخيرة شهدت حراكًا عربيًا ملحوظًا في الترشح والمشاركة وتولي مناصب فنية وأكاديمية مهمة داخل المنظمة.
ترشيحات مصرية متتالية: من فاروق حسني إلى خالد العناني
بدأت مصر بوصفها صاحبة أحد أقدم الأنظمة التعليمية والثقافية في المنطقة، بمحاولات جادة للوصول إلى كرسي القيادة.
فاروق حسني (2009)
فاروق حسني، هو وزير الثقافة المصري الأسبق، كان أول عربي يصل إلى الجولة النهائية في انتخابات المدير العام لليونسكو عام 2009، وبالرغم خسارته أمام البلغارية "إيرينا بوكوفا"، إلا أن حملته كشفت عن رغبة عربية صريحة في اقتحام المشهد الدولي الثقافي.
وقد أثارت تصريحاته وقتها جدلًا واسعًا، واستُخدمت ضده في حملات ضغط غربية، ليصبح درسًا عربيًا في أهمية التحضير الدبلوماسي والإعلامي المبكر.
مشيرة خطاب (2017)
عقب ثماني سنوات، أعادت مصر المحاولة بترشيح السفيرة والدبلوماسية مشيرة خطاب، التي خاضت سباقًا قويًا أمام الفرنسية أودري أزولاي، ووصلت إلى جولة الحسم، لكنها خسرت بفارق ضئيل بعد حملة دعائية أوروبية مكثفة.

ورغم الخسارة، تركت خطاب صورة إيجابية للمرأة العربية في المنظمات الدولية، وأعادت الملف العربي إلى دائرة الضوء داخل أروقة باريس.
خالد العناني (2025)
وفي تطور تاريخي، أعلنت مصر ترشيح الدكتور خالد العناني، أستاذ علم المصريات ووزير السياحة والآثار الأسبق، لمنصب المدير العام للفترة (2025–2029).
حظي العنانى بدعم عربي وإفريقي واسع، وتم انتخابه رسميًا كأول عربي يتولى المنصب في تاريخ المنظمة، وهو إنجاز وُصف بأنه نقطة تحول في الحضور العربي الدولي.

يتمتع العنانى بخبرة أكاديمية عميقة في التراث والحضارة المصرية، وبعلاقات واسعة داخل المؤسسات الثقافية العالمية، مما ساعده على بناء ثقة الدول الأعضاء ودعم حملته.
قطر والكرسي الأكاديمي
على الجانب الآخر من العالم العربي، اختارت قطر طريقًا آخر للتأثير داخل اليونسكو وهو الكرسي الأكاديمي.
فقد أنشأت جامعة قطر كرسيًا تابعًا لليونسكو في مجالات المياه والتنمية المستدامة والتعليم، ضمن برنامج “UNITWIN”، وتسعى الدوحة من خلال هذه الكراسي إلى تحويل المعرفة إلى قوة دبلوماسية ناعمة، وتأكيد حضورها العلمي في المؤسسات الدولية.
كما تبرعت قطر في 2011 بتمويل متحف التعليم الدولي في باريس التابع لليونسكو، مما منحها موقعًا مميزًا في مشروعات المنظمة.
كراسي عربية مؤثرة
في مصر أيضًا، يقود البروفيسور عماد خليل “كرسي اليونسكو للتراث البحري تحت الماء” بجامعة الإسكندرية، وهو واحد من الكراسي العربية القليلة التي تمارس دورًا تنفيذيًا مباشرًا في حماية التراث العالمي.
وفي المغرب، تُعدّ جامعة محمد الخامس في الرباط نموذجًا آخر باحتضانها كراسي بحثية متخصصة في التراث اللامادي والذكاء الاصطناعي في التعليم.
هذه الكراسي تمثل الوجه العلمي للحضور العربي داخل المنظمة، بعيدًا عن البعد السياسي لمنصب المدير العام.
باريس.. ساحة التنافس والرمزية
في مقر اليونسكو بباريس، تتقاطع الدبلوماسية والثقافة والسياسة، فهنا تُدار الحملات الانتخابية، وتُحسم التحالفات التي تحدد هوية القيادة القادمة.
العرب، الذين طالما وُصفوا بأنهم “أصحاب حضارة دون تمثيل”، يرون في هذا المبنى فرصة لاستعادة حضورهم التاريخي في الثقافة العالمية، فمن القاهرة التي تحتضن الحضارات القديمة، إلى الدوحة التي توظف البحث العلمي لخدمة التنمية، وصولًا إلى باريس التي تُصاغ فيها قرارات العالم الثقافي، تتشكل اليوم ملامح حضور عربي جديد داخل اليونسكو.
اليونسكو والعرب.. ما بعد الفوز
انتخاب خالد العناني ليس نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة من التمثيل العربي في المنظمات الدولية، فالرهان الحقيقي الآن هو في تحويل المنصب إلى تأثير حقيقي داخل سياسات التعليم والتراث والإعلام، والدفع باتجاه إنصاف التراث العربي والإسلامي في قوائم الحماية العالمية.
كما ينتظر الشارع العربي أن يكون وجود عربي على رأس المنظمة فرصة لتصحيح الصورة النمطية عن المنطقة، والتأكيد أن الثقافة العربية ليست تراثًا جامدًا، بل مصدر إلهام للعالم.

