هنا عاش مفيد فوزي.. صوت الذاكرة من شارع مكة بالمهندسين
في رقم (٢١) شارع مكة في المهندسين، لا تزال العمارة الواقفة في صمتها، كأنها تحرس سرًّا قديمًا، وتخفي وراء جدرانها صدى صوتٍ إعلامي لم ينطفئ، على بابها يقف «حسين»، رجل ثلاثيني، يعمل في المكان منذ ست سنوات، يعرف سكان العمارة بأسمائهم، لكنه ينطق اسمًا واحدًا بهيبة خاصة: مفيد فوزي.
يبدأ حديثه لـ"إيجبتكِ"كمن يفتح صندوقًا من الصور القديمة:
“كان الأستاذ مفيد دايمًا أشيك واحد يدخل ويخرج من هنا، يمشي بخطوات بطيئة لكن وراها وقار.. دايمًا لابس نضيف، ماسك جورنال أو ورقة فيها ملاحظاته، أنا كنت بشوفه الصبح لما يروح الشغل، وبالليل لما يرجع، في آخر أيامه كان بيتعب شوية، بس عمره ما اشتكى".
يحكّ حسين رأسه ويكمل: "فاكر كويس اليوم اللي راح فيه المستشفى، كان شكله تعبان، بس لسه بيحاول يضحك، وبعدها الخبر جالي كده فجأة… مات مفيد فوزي.”
سكت لحظة ثم أكمل:"الناس هنا كلها حزنِت عليه، حتى اللي ما يعرفوشه شخصيًا، كان طيب وبيسلم على الكل، بعد وفاته الكنيسة والجرنال عملوا له ذكرى، وجم هنا بعض زملائه الصحفيين. أنا حضرت اليوم ده."
في الذكرى السنوية، امتلأ الشارع بالوجوه القديمة، زملاؤه الذين عرفوه في قاعات التحرير حضروا ليعيدوا سيرته في المكان الذي أحبّه.
يروي حسين: "كانوا عاملين فيلم تسجيلي عنه، المدهش إنهم جابوا ممثل شبهه بالضبط! لبس نفس هدومه، نفس طريقة لبسه ، قعدوا يصوروه وهو بيشرب الشاي، وبيكتب في ورق، وبيتكلم زي الأستاذ مفيد ما كان بيعمل كل يوم، أنا كنت واقف من بعيد، حسّيت كأن الراجل رجع تاني".
الإعلامي مفيد فوزي المحاور التليفزيوني والكاتب الصحفي المتميز بأسئلته الساخنة؛ ويعد أحد أبرز الإعلاميين والصحفيين بعد جيل الرواد - تخرج في كلية الآداب – جامعة القاهرة قسم اللغة الإنجليزية عام 1959 - تدرب في بداياته الصحفية بجريدة روز اليوسف - عين محررًا بمجلة صباح الخير عام 1957وتتلمذ على يد أحمد بهاء الدين - ساهم في إعداد الكثير من البرامج الإذاعية أهمها: «فوازير رمضان» مع آمال فهمي لمدة 10 سنوات. - «أوافق.. أمتنع» تقديم سناء منصور- «فنجان شاي» تقديم سامية صادق - ساهم في إعداد العديد من البرامج التلفزيونية أهمها: «نص ساعة من وقتك» مع سميرة الكيلاني - «نجمك المفضل» مع ليلى رستم - «عزيزي المشاهد» مع أماني ناشد - «تحت الشمس» مع سلوى حجازي - «الغرفة المضيئة» مع لبنى عبد العزيز- «النادي الدولي» مع سمير صبري - بعد مسيرة طويلة أمضاها في عالم الإعداد صدر قرار (رئيس التلفزيون)سامية صادق بظهوره على شاشة التلفزيون عام 1982م لتقديم برنامجه (حديث المدينة) الذي حقق رواج جماهريا غير مسبوق في البيت المصري.
يقول حسين وهو يشير إلى الشرفة : “هنا كان بيقعد يشرب شاي الصبح، كوباية شاي سادة ومعلقة سكر على الترابيزة، كان دايمًا يطل من الشباك، يبص على الشارع، وبعدها ينزل يركب عربيته.
تتبدل نبرة حسين من الحكاية إلى التأمل:
“أنا ما كنتش أعرف يعني إيه صحفي بالمعنى الحقيقي ولا يعني إيه كاتب، لكن بعد ما عرفته، بقيت أحس إن الكلمة دي تقيلة، الراجل ده كان بيعيشها بكل تفاصيلها. حتى لما كبر.
رحل مفيد فوزي في ديسمبر ٢٠٢٢ عن عمرٍ ناهز التاسعة والثمانين، تاركًا خلفه مكتبة من الحوارات، وذاكرة عامرة بالقصص، لكنّ شارع مكة لا يزال يذكره كجارٍ لطيفٍ، لا كاسمٍ في عالم الإعلام.
في نهاية الحديث، يجلس حسين أمام باب العمارة، ينظر إلى اللافتة المعدنية التي كُتب عليها «٢١ شارع مكة». يبتسم ويقول: “الناس بتيجي وتسأل، هو هنا كان ساكن مفيد فوزي؟ أقولهم: أيوه، هنا عاش، وهنا كان صوته بيملأ المكان.
ومن مؤلفات الراحل مفيد فوزي: كندا حلم المهاجرين - جواز سفر إنسان «رحلات صحفية» - و كان يكتب ايضا تحت اسم نادية عابد اسبوعيا في مجلة صباح الخير مع مقاله ا (سماعي) ، كتب أيضا في جريدتي المصري اليوم و الأخبار و مجلة روز اليوسف و غيرها - ومن كتبه أطول قصيدة اعتراف مع نزار قباني - هيكل الآخر - أسماء لامعة - رومانسيات في زمن الجفاف - صديقي الموعود بالعذاب والنجاح «عن قصة حياة العندليب - الغالي بطرس غالي - كلام مفيد، - هؤلاء حاورتهم «جزءين في الأدب، والفن» - نصيبي من الحياة «مذكرات».
وفي المساء، حين تهدأ الشوارع وتُطفأ الأنوار، يمرّ النسيم من أمام العمارة كأنه يحمل بقايا صوته، صوتٌ دافئ يقول ببساطة: «الحياة حوار».
وفي ذاكرة المكان، لا تزال حياة مفيد فوزي تمضي كما في الفيلم الذي صوره زملاؤه: فنجان شاي، ورقة، شرفة، وذكرى لا يموت.
وجدير بالذكر أن مشروع 'عاش هنا' أطلقه الجهاز القومي للتنسيق الحضاري عام 2017 والذي يهدف الى توثيق المباني والاماكن التي عاش بها الفنانين والسينمائيين وأشهر الكتاب والموسيقيين والشعراء وأهم الفنانين التشكيلين والشخصيات التاريخية التي ساهمت في إثراء الحركة الثقافية والفنية في مصر عبر تاريخ مصر الحديث.
وهذا المشروع يتم بالتعاون مع الجهات والمؤسسات الفنية، ويتم الاستعانة بالمهتمين بتوثيق التراث الثقافي والفني في مصر لتدقيق المعلومات والبيانات التي يتم تجميعها. ويتم تفعيل هذا المشروع بوضع لافته على المبنى تبين اسم الفنان الذي سكن بالمبنى، ونبذة مختصرة عن أهم أعماله وتاريخه الفني محملة على تطبيق ال QR والذي يمكن استخدامه عن طريق الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية المتطورة، مما يساعد على نشر الوعي والمعرفة بتاريخ الشخصيات والمباني الهامة على مستوى الجمهورية.