الإفتاء: تجسُّس أحد الزوجين على هاتف الآخر "حرام شرعًا"
قالت دار الإفتاء: إنّ تجسسَ أحد الزوجين على الآخر أو تتبعَ عوراته حرامٌ شرعًا، والواجب على كلٍّ منهما رعايةُ حق الآخر وإحسانُ الظن به والتعاونُ على البر والتقوى، ومَن ثارت في نفسه شكوكٌ تجاه الآخر فعليه مصارحتُهُ بقصد الإصلاح والنصح والتذكير بحق المعاشرة بالمعروف التي أمر اللهُ تعالى بها.
بيان عظم معنى الزواج وعد مناسبة معناه للشكوك وسوء الظن
وأشارت دار الإفتاء إلى أن الله تعالى أنعم على عباده بنعمة الزواج، وذكَّرَهُم بها في معرض الامتنان؛ فقال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
وأوضحت الدار أن الله سبحانه وتعالى عظّم من شأن رابطة الزوجية واصفًا إياها بالميثاق الغليظ؛ فقال جلَّ وعَلَا:
﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾
وأمر بأن تكون العشرة فيها بالمعروف؛ فقال عزَّ وجَلَّ: ﴿وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
وهذا يوجب أن يحصل به السكن والمودة والرحمة بين الزوجين، ولا تسير تلك العلاقة على نسقٍ صحيحٍ إلا بتخلُّق كِلَا الزوجين بالسماحة وغضِّ الطرف عن الهفوات، ومن ثَمَّ فإن تكدير العلاقة بين الزوجين بسوء الظن وتتبع العورات واختلال الثقة بينهما مُنافٍ للحكمة والقيمة الأخلاقية والاجتماعية التي قصد الشرعُ الشريفُ إقامةَ الحياة الزوجية عليها، وما يعتري بعضَ الأزواج من حالات الغيره الزائدة والشك المفرط وقلة الثقة في شريك الحياة دون مبررٍ حقيقيٍّ لذلك، ما يدفعه إلى التجسسِ على المكالمات الهاتفية للطرف الآخر، أو التفتيشِ في مراسلاته ومحادثاته الإلكترونية وأجهزة الاتصال الخاصة به مع كون هذا التواصل لغرضٍ صحيحٍ شرعًا تُراعَى فيه الضوابط الشرعية والآدابُ العامةُ؛ يُعد سلوكًا عدوانيًّا سيئًا بين الزوجين، وتعدِّيًا وانتهاكًا للحُرُمات، ومسلكًا للشيطان للتفريق بين الزوجين؛ إذ يشتمل هذا النوع من السلوك على عددٍ من المنهيات.
حق الزوجة على زوجها وحق الزوج على زوجته
وقالت دار الإفتاء: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ نهى عن أن يفاجيء المسافرُ زوجتَهُ بدخوله عليها راجعًا من سفره دون سابقِ خبرٍ لها؛ وإنما أُمِرَ المسلمُ بإنبائها قبل قدومه؛ حتى تستعد لمقدمه بالتزين له وحسن الاستقبال، ولِئَلَّا يحمله ذلك على التخوين وسوء الظن بها وتتبع عوراتها.
واستدلّت الدار بما ورد عن جابرٍ رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ"..
وأكّدت الدار أنه يجب مراعاة حق الزوج حقًّا في ألَّا تُدخِل زوجتُهُ بيتَهُ أحدًا إلا بإذنه وأن تحفظه في غيبته؛ لقول الله تعالى واصفًا الزوجة الصالحة: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ"
كيف تكون قوامة الرجل على أهل بيته؟
قالت دار الإفتاء؛ إنّ قوامة الرجل على أهل بيته لا تكون إلا بالحكمة والنصح والإرشاد مع أدائه ما يجب عليه نحوهم من الحقوق لا بالتجسس وسوء الظن وتتبع العثرات، كما أن حب المرأة لزوجها وغِيرتِها عليه لا يسوغ لها التفتيش في خصوصياته؛ لما سبق تقريره من المقاصد والمعاني، بل إن مَن يفعل شيئًا مِن ذلك إنما يأتي بما يكدّر عليه صفو الحياة ويفسد العلاقة الزوجية، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
" إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ"
واختتمت الدار: “إن تجسسَ أحد الزوجين على الآخر أو تتبعَ عوراته حرامٌ شرعًا، والواجب على كلٍّ منهما رعايةُ حق الآخر وإحسانُ الظن به والتعاونُ على البر والتقوى، ومَن ثارت في نفسه شكوكٌ تجاه الآخر فعليه مصارحتُهُ بقصد الإصلاح والنصح والتذكير بحق المعاشرة بالمعروف التي أمر اللهُ تعالى بها."