رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شبابٌ أنهكهم الغلاء.. الزواج حلم أتلفه ثالوث «الذهب والشقة والإيجار»

حلم الزواج
حلم الزواج

لم يعد الحديث عن الزواج يحمل البهجة ذاتها التي كانت تُضيء العيون قبل عقود، والآن تحول السؤال البسيط "هتتجوز إمتى؟" إلى نكتة مُرة يتبادلها الشباب على المقاهي، يضحكون وفي قرارة أنفسهم يعلمون أن الطريق إلى "بيت الزوجية" بات طويلًا وشاقًا، وربما مسدودًا.

 

جيل كامل، يقف على حافة الحلم المؤجل؛ شبابٌ أنهكهم الغلاء، وفتياتٌ يُطاردن بين ضغط الواقع وموروث التقاليد، وأسرٌ تعيش على ذكريات زمنٍ كانت فيه الشبكة من الذهب البسيط، والفرح في البيت، والشقة بالإيجار القديم.

اليوم تغيّر كل شيء، الذهب أصبح عبئًا، والأثاث مشروعًا، والإيجار كابوسًا، حتى الحب نفسه صار يحتاج إلى ميزانية وموافقة بنكية.

في ظل قفزات الأسعار وتراجع الدخول، تحوّل الزواج من "سترة" إلى "مغامرة مالية"، وانقلبت المعادلة الاجتماعية رأسًا على عقب.. فهل نحن أمام أزمة عابرة، أم أن المجتمع المصري يعيد تعريف مفهوم الزواج والعلاقات الإنسانية؟

من قلب المقاهي والأسواق والمكاتب، ومن شهادات شباب وفتيات وخبراء، يرصد هذا التحقيق ملامح جيل جديد... جيل بلا زواج.

حلم مؤجل

على أحد مقاهي وسط القاهرة، يجلس أحمد، شاب البالغ من العمر الثانية والثلاثين ، يحتسي كوبًا من الشاي ويقلب هاتفه في صمت ويقول بنبرة تجمع بين السخرية واليأس “بقيت أضحك لما حد يسألني هتتجوز إمتى هو أنا قادرأعيش لوحدي علشان أعيش ببيت وأسرة؟ ”أحمد يعمل موظفًا في شركة خاصة، وراتبه بالكاد يغطي الإيجار وفواتير الكهرباء والإنترنت ويقول زمان كنا بنسمع إن الجواز سترة.. دلوقتي بقى سترة من الجواز و هذه الجملة تختصر مأزق جيل كامل من الشباب المصري الذي يقف بين مطرقة الغلاء وسندان التقاليد الاجتماعية في ظل ارتفاع الأسعار الجنوني، أصبح الزواج عبئًا لا يُحتمل، وتحول الحلم البسيط بتكوين أسرة إلى رفاهية مستحيلة.يقول أحمد، في نهاية جلستنا على المقهى مش عايز أتجوز غصب عن ظروفي، ولا أعيش في شقة بالإيجار ومطارد بالديون. عايز أعيش حياة بسيطة.. بس الحياة نفسها بقت معقدة .

شهادات من الواقع "مش قادر أفتح بيت"

ويقول محمد  علي ، تاجر أثاث في منطقة وسط البلد المناصره  الشباب زمان كانوا بيجوا يجهزوا بـ50 ألف، النهارده الرقم ده ما يجيبش غرفة نوم كويسة.

بينما يقول محمود 29 سنة – موظف بإتحدى الشركات الخاصة أنا خاطب بقالي سنتين، بس كل مرة نحوش نلاقي الأسعار زادت و  الأجهزة غليت، الذهب غلي، حتى الإيجارات نار. أنا فعلاً بفكر أسيب الخطوبة وأبدأ من جديد لما الظروف تتحسن.

“أبويا استدان علشاني”

تحكي سارة 26 سنة – معلمة لما اتجوزت السنة اللي فاتت، أبويا استدان عشان يجهزني و لحد النهارده بيسدد ديون، وأنا حاسة بالذنب كلنا بقينا بنفكر مرتين قبل ما ندي بنتنا لحد مش مستقر.

“مش عايزة أتجوز ديون”

تقول هبة 30 سنة – مهندسة “أنا مش ضد الزواج، بس ضد إني أبدأ حياتي بدين و ليه لازم أعمل فرح وأشتري شبكة بمئات الآلاف؟ الجواز المفروض يكون مشاركة مش سباق مظاهر.

التحولات الاجتماعية من “بيت العيلة” إلى “العزوبية الاختيارية”

لم يعد الزواج هو الطريق الوحيد للاستقرار فبعض الشباب اختار العزوبية كخيار واعٍ وليس اضطرارًا و آخرون اتجهوا إلى الزواج البسيط بدون مظاهر فخمة وهناك من بدأوا يفكرون في العيش المشترك (co-living) دون عقد رسمي، وهو ما يثير جدلاً واسعًا.

تقول سوسن فايد أستاذ علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية  أن التغيرات الاقتصادية تؤدي دائمًا إلى تغيرات في القيم. الجيل الحالي يعيد تعريف معنى الزواج والاستقرار ولم يعد البيت والأطفال معيارًا للسعادة كما في الماضي.

ويضيف سلامة من الطبيعي أن نجد أشكالًا جديدة من العلاقات، بعضها سليم وبعضها مشوش. لكن الأكيد أن نموذج الزواج التقليدي لم يعد مناسبًا لكل الطبقات.بين القانون والمجتمع

التقاليد ما زالت تضغط بشدة على الشباب، خاصة في القرى والمناطق الريفية فالأهل يرفضون أي فكرة لزواج “على قد الحال”، ويصرّون على المهر الكبير و”قائمة المنقولات” الكاملة ويقولالدكتور أحمد مهران المحامي بالنقض
القوانين الحالية تحمي حق الزوجة في المنقولات والمهر، لكن في المقابل تضع الشاب تحت ضغط هائل. هناك آلاف القضايا في المحاكم بين أزواج انتهت حياتهم بسبب الكمبيالات والقروض.”

ويضيف  مهران أن كثير من الشباب يُسجن لأنه لم يستطع سداد التزاماته المالية من الزواج، وهذا يجعل آخرين يتراجعون خوفًا من المصير نفسه.

أثر نفسي واجتماعي ممتد

علماء النفس يرون أن تأخر الزواج لا ينعكس فقط على الأرقام، بل على الهوية والعلاقات الإنسانية تقول الدكتورة هالة الشاذلي، أستاذة علم النفس الاجتماعي إن الشباب الذين يعانون من ضغوط اقتصادية يعيشون في حالة قلق مزمنة. عدم القدرة على تحقيق الاستقلال وتكوين أسرة يخلق شعورًا بالدونية وفقدان الهدف.”

وتضيف من ناحية أخرى، بعض الفتيات يشعرن أن تأخر الزواج لا ينتقص من قيمتهن، بل يفتح أمامهن مسارات مهنية وشخصية جديدة، وهذه نقطة تطور إيجابية في المجتمع.

أرقام تكشف الأزمة

تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) إلى انخفاض معدل عقود الزواج في السنوات الأخيرة بنسبة ملحوظة، مع ارتفاع متوسط سن الزواج لدى الذكور والإناث حيث في عام 2019 سُجل أكثر من 900 ألف عقد زواج و بينما انخفض العدد في عام 2024 إلى نحو 670 ألف عقد فقط و ارتفع متوسط سن الزواج إلى 33 عامًا للرجال و28 عامًا للنساء.وتؤكد دراسات اقتصادية أن السبب الرئيس وراء هذا التراجع هو ارتفاع تكاليف تجهيز الزواج بنسبة تجاوزت 120% خلال خمس سنوات فقط، بالتوازي مع موجات التضخم التي رفعت أسعار الأثاث والأجهزة المنزلية والذهب والإيجارات.

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور وليد جاب الله أن الزواج في مصر أصبح مشروعًا استثماريًا كاملًا.. لا أحد يُقدم عليه إلا من يملك رأس مال كبير. متوسط تكلفة الزواج في القاهرة الكبرى يتجاوز 400 ألف جنيه في أبسط الحالات.

ميزانية مستحيلة إذا حاولنا تفكيك تكلفة الزواج في مصر اليوم، نجد أنها تتوزع بين عدة بنود ثقيلة أولا الشقة أو الإيجار في مناطق القاهرة الشعبية يصل إيجار الشقة الصغيرة إلى 3500 جنيه شهريًا، بينما يطلب الملاك مقدمًا كبيرًا أما شراء الشقة، فحدث ولا حرج ثم الذهب والمهر مع تجاوز سعر الجرام حاجز 4000 جنيه، أصبح شراء الشبكة عبئًا يفوق طاقة معظم الأسر ثم الأثاث والأجهزة تشير تقديرات تجار الأثاث إلى أن “فرش الشقة” يكلف ما بين 150 إلى 250 ألف جنيه على الأقل ثم الفرح والتصوير والمظاهر الاجتماعية حتى أبسط حفل زفاف قد يكلف 20 إلى 50 ألف جنيه.

كيف تغيرت نظرة الفتيات؟

تشهد السنوات الأخيرة تغيرًا جذريًا في تصور النساء عن الزواج وتقول إيمان 28 سنة – صيدلانية أنا مش ضد الجواز، بس عايزة شريك حياة مش عبء لو هعيش أتحمل مسؤولية لوحدي، يبقى أعيش لوحدي من البداية.

وفي دراسة أجرتها جامعة عين شمس عام 2024 على عينة من 2000 فتاة جامعية، أظهرت النتائج أن 62% من المشاركات يفضلن تأجيل الزواج لحين الاستقرار المادي و 18% لا ينوين الزواج مطلقًا و 20% فقط ما زلن يعتبرن الزواج “ضرورة اجتماعية”.

صراع بين جيلين

الآباء والأمهات الذين تزوجوا في الثمانينيات والتسعينيات لا يدركون حجم التغيير في المعادلة الاقتصادية وتقول مدام خديجة ، والدة شاب مقبل على الزواج “إحنا اتجوزنا بشقة إيجار قديم وفرش بسيط بس دلوقتي كل حاجة بقت غالية، ومع ذلك الناس لسه بتقارن عيب المجتمع إنه بيقيس الجواز بالمظاهر.

وتضيف الدكتورة سوسن فايد أستاذ علم النفس أن  “الفجوة بين الأجيال خلقت أزمة فهم والأهل لا يدركون أن الظروف تغيرت جذريًا، وأن الشباب يعيشون في اقتصاد مختلف تمامًا.

حلول مطروحة

رغم صعوبة الأزمة، إلا أن هناك حلولًا يمكن أن تخفف من حدة المشكلة: تبسيط الزواج وتشجيع مبادرات مجتمعية لتقليل المظاهر، مثل مبادرة “زواج بدون ذهب” في بعض القرى ودعم الدولة للإسكان الشبابي و توفير شقق بأسعار مناسبة وبأقساط طويلة وتوعية مجتمعية و حملات إعلامية لتغيير نظرة الأسر للتكاليف والمظاهر ومشروعات ادخار للشباب وحسابات ادخار للزواج بفوائد ميسرة والتشريعات القانونية و ضبط الكمبيالات المبالغ فيها وتقنينها لحماية الشباب من السجن.

يقول الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أنه لا يمكن معالجة الظاهرة بعظات أخلاقية فقط، بل يجب أن تُدرج ضمن سياسات الدولة الاجتماعية والاقتصادية الزواج عنصر من عناصر الاستقرار الوطني، وليس شأنًا شخصيًا فحسب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء