ابناء ابطال حرب اكتوبر يرون تجربة ابائهم
ابنته تروي سيرته.. محمود عبد السلام الدهان أحد أبطال المجموعة 39 قتال بحرب أكتوبر
في كل بيت مصري عاش أحد أبنائه تجربة حرب أكتوبر، ودائما هناك حكاية تستحق أن تروى ، لا عن المعارك فقط، بل عن القيم التي غرسها جيل البطولة في نفوس أبنائه. فحرب أكتوبر لم تكن مجرد حدثٍ عسكريٍّ في سجل التاريخ، بل كانت روحًا سكنت البيوت، ورسخت في الذاكرة الوطنية.
ومن بين تلك الحكايات، تبقى سيرة الجندي محمود عبد السلام الدهان “ أحد أبطال المجموعة (39 قتال)” مثالًا على الجندي المصري الذي حمل السلاح بإيمان، وعاد ليزرع حب الوطن في قلوب أولاده ترويها لنا ابنته الكاتبة الصحفية نيرمين الدهان
التحية التي أعادت ذاكرة الحرب
قالت الكاتبة الصحفية نيرمين الدهان : في أحد الأيام، كنا في طريقنا إلى منزلنا بالتجمع الخامس، فتوقّف أبي فجأة عند إشارة مرور، وأدى التحية العسكرية لرجلٍ مهيب الملامح، يحمل في وجهه وقار القادة.
لم أفهم في البداية سبب ذلك الاحترام العميق، حتى اكتشفت أنه اللواء محي نوح — قائده في المجموعة 39 قتال، تلك المجموعة التي كانت جزءًا من روحه وحياته.
وتابعت الدهان : كان المشهد مهيبًا، مزيجًا من الفخر والحنين، كأن لحظة اللقاء جمعت ماضي الحرب بحاضر الوفاء. كان أبي كثيرًا ما يحدثنا عن تلك المجموعة وقائدها وتدريباتها، وكيف صاغت تجربة الصاعقة شخصيته، وجعلت منه إنسانًا مؤمنًا بأن الانضباط والإرادة هما طريق النصر الحقيقي.

أبي.. صفحة حيّة من تاريخ مصر
هكذا ترى الدهان: كلما جلست مع أبي، الجندي محمود عبد السلام الدهان – رحمه الله – شعرت أنني أجلس أمام صفحة حيّة من تاريخ مصر المجيد.
وواصلت حديثها قائلة: “كان ملمًّا بتاريخ وطنه، محبًّا لترابه، عاشقًا لجيشه بكل ما أوتي من إيمانٍ وولاء. كنت أستمع إليه بشغفٍ، فحديثه عن مصر كان يجعل حب الوطن يسكن القلب قبل أن يدركه العقل”.
المجموعة 39 قتال.. أسطورة من نار
وتستعيد الدهان حكايا والدها عن بطولات المجموعة 39 قتال : كان أبي يحكي بصوتٍ يملؤه الفخر عن أيامه في المجموعة 39 قتال، تلك الوحدة الأسطورية في قوات الصاعقة المصرية التي قادها العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي، وارتبط اسمها بأعظم بطولات حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر المجيدة.
كان يقول دائمًا: كنا نؤمن أن الموت في سبيل الوطن حياة، وأن النصر لا يولد إلا من رحم التضحية."
وأشارت الدهان: “تُعدّ المجموعة 39 قتال من أنصع صفحات تاريخ القوات المسلحة. تأسست عقب نكسة 1967 بقيادة البطل إبراهيم الرفاعي، وكانت مهمتها تنفيذ عمليات نوعية خلف خطوط العدو، لبثّ الرعب في قلبه وإعادة الثقة لجنود مصر وشعبها”.
ضمّت نخبة من ضباط وجنود الصاعقة والمخابرات الحربية، رجالًا نذروا أرواحهم فداءً للوطن، وكان شعارها الذي لا يزال محفورًا في ذاكرتنا ومعلّقًا في بيتنا: "الأسد الثائر".
ذكريات التدريب والعمليات
تقول الدهان: “كان أبي يروي لي تفاصيل تدريباتهم القاسية وعملياتهم الجريئة — كيف كانوا يعبرون ليلًا في صمتٍ تام، يحملون أرواحهم على أكفهم، لا يهابون الموت، ويقتاتون مما تجود به الصحراء”.
كان يصف لي كيف يتواصلون بالإشارات والهمسات لأن أي صوتٍ قد يعني الحياة أو الاستشهاد.وكان يبتسم بفخرٍ كلما ذكر زملاءه الذين استُشهدوا، وكأن أرواحهم ما زالت ترافقه. كان يذكر دائمًا إبراهيم الرفاعي ومحي نوح ومئات الأبطال الذين لم تذكرهم الكتب، لكنهم كتبوا تاريخ مصر بدمائهم.
من حرب الاستنزاف إلى نصر أكتوبر
واصلت الدهان حديثها قائلة: شارك أبي ضمن مجموعات القتال التي مهّدت لعبور أكتوبر العظيم، وكان يؤكد أن التدريب الصعب هو وقود النصر الحقيقي.
قال إن المجموعة 39 كانت "يد مصر التي تمتد خلف خطوط العدو"، تضرب ثم تختفي، وتترك أثرًا لا يُمحى في نفوس الأعداء.
ومع كل عملية ناجحة، كانت ترتفع معنويات الجيش، وتكبر فكرة النصر حتى أصبحت حقيقة في السادس من أكتوبر 1973.

هدية العمر... وذاكرة البطولة
وتتابع الدهان حديثها: من أكثر اللحظات التي لا تُنسى، حين أهديت أبي كتاب "الرفاعي بطلًا" للكاتب الكبير جمال الغيطاني، رأيته يومها سعيدًا كطفلٍ يحمل قطعة من ماضيه.
كان يقلّب الصفحات بعينين يملؤهما الحنين والفخر، وكأنه يستعيد وجوه زملائه وصوت المعركة.
ولفتت الدهان إلى أن في لقاءٍ آخر مع اللواء محي نوح في التجمع، أهداه أبي نسخة من الكتاب الذي يؤرخ للمجموعة، فكانت الهدية بالنسبة له وسام شرف جديدًا يُضاف إلى تاريخه.
كما كان يتابع بشغف كل ما كتبه الصحفي عبده مباشر عن المجموعة، وكأن كل سطرٍ يعيد إليه جزءًا من روحه القديمة.
إرث من البطولة والفخر
أشارت: لم يكن أبي يتحدث عن نفسه كثيرًا، وكان يقول دائمًا:"اللي راحوا هما الأبطال الحقيقيين." لكنني كنت أرى في عينيه تلك اللمعة التي لا يحملها إلا من رأى النصر بعينه، ودفع ثمنه من عمره وروحه.علّمني أن حب الوطن ليس شعارًا، بل عَرق وصبر ودماء.
واليوم، كلما نظرت إلى صورته بالزي العسكري، أسمع صوته يقول لي:"المجموعة دي يا نرمين، لا تقل أهميتها عن أول طلعة جوية... دول كانوا فجر النصر."
وختمت الدهان حديثها: أقول هذا لا لأرثي، بل لأحكي عن جيلٍ صاغ تاريخ مصر من ذهب، وعن أبٍ من بين هؤلاء الأبطال، الجندي محمود عبد السلام الدهان، الذي عاش بطلًا، ومات وطنيًا كما عاش عصاميًّا، صادق الإيمان، شق طريقه بالصبر، وكانت المجالس تطيب بذكره.