رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«اسمي الحقيقي دانيال».. حكاية ابن رأفت الهجان ورحلته مع أسرار «الأب الغامض»

ابن رأفت الهجان
ابن رأفت الهجان

على أحد مقاعد مقهى هادئ في مدينة فرانكفورت الألمانية، يجلس رجل يحمل اسم دانيال، وملامح أوروبية صافية، لكن شيئًا ما في عينيه يشي بغربة دفينة، أو ربما جذور أخرى أبعد من حدود ألمانيا. 

هذا الرجل هو دانيال رفعت الجمال، ابن الجاسوس المصري الشهير رفعت علي سليمان الجمال، المعروف في العالم العربي باسم رأفت الهجان، والذي شكّلت قصته واحدة من أجرأ وأنجح عمليات المخابرات المصرية في القرن العشرين.

دانيال لم يختر أن يُولد داخل أكثر الأسرار تعقيدًا في التاريخ الاستخباراتي العربي. وعاش طفولته في بيت ألماني هادئ يملؤه دفء أبٍ حنون، لم يكن يعرف أنه يعيش خلف قناع رجل آخر، وأن اسمه الحقيقي ليس "جاك بيتون"، كما اعتقد طيلة سنوات حياته الأولى.

 

طفولة دانيال وذكريات رجل غامض

وُلد دانيال في ألمانيا الغربية لأبٍ يهودي ظاهريًا يدعى جاك بيتون، وأمٍ ألمانية تُدعى فالترود بيتون. 

<span style=
طفولة دانيال وذكريات رجل غامض

ولم يكن في حياته ما يوحي بأن هذا الرجل الذي اعتاد السفر كثيرًا بين إسرائيل وأوروبا هو في الواقع جاسوس مصري يعمل في قلب تل أبيب لصالح جهاز المخابرات العامة المصرية.

كان جاك – أو رفعت الجمال – يحاول أن يعيش حياة طبيعية قدر الإمكان. يرافق زوجته إلى المناسبات الاجتماعية، ويهتم بتربية ابنه، ويرويه حكايات عن الشرق، وعن القاهرة والإسكندرية، وعن النيل الذي "لا ينام أبدًا". 

كانت تلك القصص مجرد نوافذ صغيرة على عالم لم يعرف دانيال آنذاك أنه عالمه الحقيقي. ولكن في عام 1982، توفي رفعت الجمال في ألمانيا بعد صراع مع المرض، ودُفن هناك. 

وبالنسبة لابنه دانيال، فقد رحل والده رجل الأعمال اليهودي، تاركًا فراغًا كبيرًا في قلب أسرته الصغيرة. ولم يكن يعلم أن هذا الرجل الذي ودّعه إلى الأبد لم يكن "جاك بيتون" الذي عرفه، بل "رفعت الجمال" الذي عرفته مصر ببطولته.

 

حقيقة تتكشف بعد عقد من الزمان

مرت السنوات، إلى أن جاء عام 1987، حين بدأ التلفزيون المصري في عرض مسلسل "رأفت الهجان" الذي روى القصة الحقيقية لرفعت الجمال، وكشف تفاصيل العملية السرية التي نفذها داخل إسرائيل لسنوات طويلة.

وبينما كانت شاشات الملايين تتابع مغامرات الهجان، كانت الصدمة تضرب بيتًا صغيرًا في ألمانيا. 

فمع تداول التقارير في الصحافة الأوروبية عن أن شخصية "رأفت الهجان" حقيقية وأنه عاش باسم "جاك بيتون"، بدأت فالترود ودانيال في تلقي الاتصالات والاستفسارات من الصحفيين.

في البداية، رفضت الأم التصديق، وعدّت الأمر مجرد دعاية أو مبالغة إعلامية. 

لكنها ما لبثت أن تلقت اتصالًا من السفارة المصرية في بون، يؤكد أن زوجها الراحل كان في الحقيقة المواطن المصري رفعت علي سليمان الجمال، أحد أبرز أبطال المخابرات المصرية.

فالترود بيتون.. من الصدمة إلى الفخر

كانت فالترود سيدة أوروبية بسيطة لا علاقة لها بعالم الجاسوسية أو السياسة. عندما علمت أن الرجل الذي أحبّته وتزوجته لم يكن من ظنّت، سادها مزيج من الذهول والإنكار. كيف يمكن أن يكون زوجها الذي عاش معها حياة مليئة بالمحبة والخير جاسوسًا؟

لكن مع مرور الوقت، وبعدما أطلعت على المستندات والصور التي زوّدتها بها المخابرات المصرية، بدأت الحقيقة تتضح. لم تعد تنظر إليه كرجل خدعها، بل كبطل عاش تضحية صامتة.

قالت في أحد اللقاءات التي سُجّلت معها لاحقًا: "لقد كان رجلاً صادقًا وحنونًا ومخلصًا لي ولابننا. لم أرَ منه شيئًا يجعلني أشك فيه يومًا. عندما علمت بالحقيقة، لم أشعر بالغضب، بل بالفخر."

لم تزر فالترود مصر رغم دعوتها أكثر من مرة، لكنها ظلت على تواصل محدود مع السفارة المصرية، وأكدت مرارًا أنها تتمنى زيارة القاهرة، المدينة التي طالما سمع عنها من زوجها.

رفعت الجمال 
رفعت الجمال 

دانيال.. بين الصدمة والفخر

أما دانيال، فكانت صدمته أكبر. في منتصف العشرينات من عمره، وجد نفسه فجأة ابنًا لرجل لم يعرفه حقًا. في مقابلة نادرة أجريت معه في التسعينيات، قال:

"كنت أظن أن والدي رجل أعمال يهودي مصري، ولم أتخيل يومًا أنه كان يعيش حياة مزدوجة. شعرت في البداية بالغضب، ثم بالحيرة، ثم بالفخر. لقد أدركت أن أبي لم يخدعني.. بل كان يعيش من أجل شيء أكبر."

بدأ دانيال يبحث بنفسه عن تاريخ والده الحقيقي، يقرأ الوثائق، ويتابع تسجيلات المسلسل، ويتواصل مع بعض المسؤولين المصريين الذين عرفوا والده. شيئًا فشيئًا، تحوّل الارتباك إلى اعتزاز. أصبح يشعر بانتماء عميق إلى الجذور التي لم يعرفها من قبل.

 

زيارة القاهرة.. لقاء الجذور

بعد سنوات من الصمت، قرر دانيال زيارة مصر. كانت الزيارة الأولى له إلى وطن والده، حيث استُقبل بحفاوة من الإعلام والمسؤولين.

روى لاحقًا أن تلك الزيارة كانت من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياته، إذ شعر للمرة الأولى أنه يعرف المكان الذي ينتمي إليه حقًا. 

ويعيش دانيال اليوم في ألمانيا، بعيدًا عن الأضواء. يحمل اسم  Daniel El-Gamal، ويعمل في مجال خاص لا علاقة له بالإعلام أو السياسة. ولا يتحدث كثيرًا عن ماضيه، لكنه في كل مناسبة يتحدث عنها، يحرص على التأكيد أنه فخور بوالده وبمصر، ويصف نفسه بأنه "نصف مصري ونصف ألماني".

يحتفظ في منزله بصور قديمة تجمعه بوالده ووالدته، وببعض الوثائق التي حصل عليها من القاهرة، ويقول إنه يسعى لتوريث ابنه حب الشرق الذي حمله والده في قلبه.

خاض دانيال معركة صعبة لإثبات نسبه لأبيه. وقد تداولت بعض القصص عن كونه عميلًا للموساد فردّ بهدوء دانيال وقتها، قائلًا: "لو كنت كذلك، فكيف سمحت لي المخابرات المصرية بالدخول والخروج من مصر بجواز سفري الألماني كما أشاء؟ ولماذا كانت السفارة الإسرائيلية في ألمانيا قد حذّرتني عام 1988 من دخول إسرائيل أصلاً؟".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء