أزمات وزير السياحة لا تنتهي.. من سرقة أسورة المتحف المصري إلى لوحة سقارة الشهيرة
قبل أيام قليلة من افتتاح المتحف المصري الكبير، اختفت لوحة أثرية مهمة من منطقة أثارسقارة بعد عدة أسابيع من اختفاء أسورة المتحف المصري، وأكد الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة السياحة، أن تم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة بشأن اختفاء هذه اللوحة من مقبرة "خنتي كا" بمنطقة آثار سقارة، وإحالة الملف إلى النيابة العامة للتحقيق.
وكشف مصدر مطلع بمنطقة آثار سقارة، أن بعثة أثرية مشتركة “مصرية أسترالية”، برئاسة الباحث نجيب قنواتي، هي التي اكتشفت اختفاء لوحة نادرة من إحدى المقابر الأثرية بسقارة، أثناء أعمال التوثيق وإعادة النشر العلمي للموقع.
وأوضح المصدر في تصريحات خاصة لـ “إيجبتكِ”، أن الحجر الأثري الذي أثار جدلاً مؤخرًا، منشور في كتب متخصصة منذ سنوات، مشيرًا إلى أن قصة اللوحة المفقودة متداولة بين المتخصصين منذ أكثر من شهرين.
وكانت قد كشفت مصادر مطلعة أخرى بمنطقة آثار سقارة، بعض التفاصيل حول واقعة اختفاء اللوحة الآثرية مؤكدة أن شريف فتحي وزير السياحة والآثار حظر الحديث بعد صدور البيان الرسمي في ذلك الشأن.
عن أهمية هذه اللوحة، يقول الدكتور أحمد عامر، الخبير الآثري والمتخصص في علم المصريات، إن مقبرة "خنتي كا" تمثل واحدة من أهم مقابر الأسرة السادسة، وهي موجودة شمال هرم الملك "تيتي" بجبانة سقارة الأثرية، وتعتبر جزءًا من شارع المقابر الذي يضم مصاطب كبار المسؤولين مثل "مري "روكا" و"كاجمني".
اختفاء اللوحة الآثرية
وأشار عامر، في تصريحات خاصة لـ إيجبتكِ، إلى أن صاحب المقبرة من الشخصيات البارزة في البلاط الملكي، والمصطبة توضح مكانته وذلك من رسوماتها الجدارية المميزة التي تبرز الحياة اليومية والطقوس الدينية والمواسم الزراعية على مدار السنة.
وتابع أن هذه اللوحة تميزت، بالفصول التي أمدتنا بمعلومات مهمة بشكل أعمق وأكثر وضوحا للحياة الاقتصادية والاجتماعية في ذلك العصر، أما عن المقبرة فهي لازال بها معلومات غنية عن فن العمارة والتنظيم الإداري في الدولة القديمة.
وأكد الخبير الآثري، أن اللوحة المختفية من مقبرة خنتي كا بمنطقة آثار سقارة منقوش عليها الثلاقة فصول، وتقدر مساحتها بنحو 40×60 سم، وترجع إلى عصر الدولة القديمة، ومصنوعة من الحجر الجيري، وهي من القطع النادرة التي توثق مشاهد من الحياة اليومية في مصر القديمة، وهي توضح التصوير الفني والاجتماعي في تلك المرحلة التاريخية الهامة.
هذه الواقعة من الإهمال لم تكن الأولى في أقل من شهر، حيث كانت اخنتفت أسورة أثرية من المتمحف المصري بالتحرير، وكشفت وزارة الداخلية تفاصيل هذه الواقعة.
التحريات التي أجرتها وزارة الداخلية أظهرت أن مرتكبة السرقة هي أخصائية ترميم بالمتحف نفسه، والتي قامت يوم 9 سبتمبر بسرقة القطعة النادرة "بأسلوب المغافلة"، بعدها تواصلت مع أحد معارفها صاحب محل فضيات في السيدة زينب، الذي باعها لاحقًا لمالك ورشة ذهب مقابل 180 ألف جنيه، ثم تم بيع الأسوارة مرة أخرى لعامل بمسبك ذهب مقابل 194 ألف جنيه، حيث تم صهرها ضمن مصوغات أخرى، لتختفي تمامًا من الوجود.
تمكنت أجهزة الأمن من ضبط جميع المتورطين، واعترفوا بالواقعة، كما تم التحفظ على المبالغ المالية الناتجة عن بيع الأسوارة، الحادثة أثارت غضبًا واسعًا، إذ تحولت قطعة أثرية فرعونية نادرة إلى مجرد سبائك ذهبية ذائبة، في واقعة صادمة تعكس حجم التحديات التي تواجه حماية التراث المصري.
الأسورة التي سرقت من المتحف المصري بالتحرير، تعود للملك بوسنيس يقول، الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، إن مقبرة الملك بوسنيس، أحد أهم ملوك الأسرة 21، تُعد من أبرز الاكتشافات الأثرية في مصر، حيث أن تلك الأسرة جاءت بعد فترة ضعف أعقبت حكم رمسيس الثالث، إذ تحول الحكم تدريجيًا إلى الكهنة، وكان بوسنيس في الأساس كبير كهنة طيبة قبل أن يتولى الحكم من مدينة صان الحجر بالشرقية، بالقرب من عاصمة رمسيس الثاني الصيفية بر رمسيس.
وأضاف أن بوسنيس دُفن في تانيس (صان الحجر حاليًا)، وظلت مقبرته مجهولة حتى عام 1939، حينما اكتشفها عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه، وقد حرص مونتيه على أن يكون الملك فاروق بنفسه هو من يفتتح المقبرة، تقديرًا لمكانة هذا الملك، وما زالت استراحة فاروق بالموقع شاهدة على تلك اللحظة.
وأوضح أن بوسنيس كان يُغرف بلقب "الفرعون الفضي"، نظرًا لكون تابوته الداخلي مصنوعًا من الفضة، وهي مادة كانت نادرة في مصر القديمة وأكثر قيمة من الذهب الذي كان متوافر بكثرة، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف يُظهر مدى قوة مصر الاقتصادية والسياسية في ذلك العصر، على عكس ما يقال عن أنه "عصر انحدار".
وأشار إلى أن المقبرة ضمت ثلاثة توابيت (اثنين من الحجر وواحد من الفضة)، بالإضافة إلى قناع جنائزي يُضاهي في روعته قناع توت عنخ آمون، وأساور وخواتم وقلادة مذهلة مكونة من عشرات حبات الذهب وأحجار نادرة، كما وُجدت صنادل من الذهب والفضة، وأغطية لأصابع اليدين والقدمين، ما يعكس الثراء والقوة الاقتصادية والفنية.
مقبرة توت عنخ آمون
وأوضح أن المقبرة احتوت على ثلاثة توابيت؛ اثنان من الحجر والثالث من الفضة وُضع فيه الجثمان، لكن المومياء لم تتحمل رطوبة الدلتا فتهالكت، ومع ذلك أظهرت البقايا أن الملك كان قصير القامة (حوالي 160 سم) ورأسه أكبر من جسده قليلًا، وكانت إحدى عينيه (اليسرى) أعلى من الأخرى، وتوفي عن عمر يناهز الستين عامًا أو أكثر، وهو عمر متقدم جدًا بالنسبة للمصريين القدماء الذين كان متوسط أعمارهم يتراوح بين 35 و40 عامًا، كما عُثر بجوار مومياء زوجته التي توفيت في سن مقارب لسن زوجها.
المقبرة لم تحظَ بالشهرة العالمية مثل مقبرة توت عنخ آمون، إذ جاء اكتشافها بالتزامن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، بينما اكتشاف مقبرة توت عام 1922 تزامن مع فترة سلام نسبي بعد الحرب العالمية الأولى، ما جعل آثار توت تتحول إلى "موضة" عالمية.
وأضاف شاكر:"لدينا في صان الحجر ثلاث مقابر شبه مكتملة؛ من بينها مقبرة بوسنيس، ومقابر لقادة عسكريين وملوك آخرين مثل شيشنق، وهذه الآثار موجودة الآن في قاعتين كاملتين بالمتحف المصري، لو أُعيد عرضها بطريقة جيدة مع إضاءة مناسبة، يمكن أن تصبح نجمة عالمية مثل آثار توت عنخ آمون".
وأكد أن دراسة آثار بوسنيس قادرة على إعادة تفسير كثير من المفاهيم حول الدين والسياسة والاقتصاد والفن في مصر القديمة، موضحًا أن هذا الملك حكم لمدة 56 عامًا، ونجح في السيطرة على طيبة والكهنة رغم أنه حكم من الشرقية، وهو ما يثير تساؤلات مهمة حول طبيعة السلطة في تلك الفترة.
وأوضح أن مقبرة بوسنيس ليست مجرد أثر، لكنها شهادة حية على أن مصر في ذلك العصر كانت دولة قوية فنيًا واقتصاديًا وعقائديًا، وأن أجدادنا لم يكونوا فقط ملوكًا عظامًا، بل عاشوا برفاهية وثقافة عالية؛ حتى أنهم كانوا ينتعلون صنادل من الذهب.

