رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«مش عارفين ناخد علاجنا»

«الصرخة المكتومة».. مرضى السرطان يموتون بالبطيء بسبب نقص الأدوية|مستندات

مرضى - تعبيرية
مرضى - تعبيرية

كانت هبة جمال تقف كل يوم في طابور طويل أمام معمل التحاليل أو صيدلية المستشفى، تحمل بيدها أوراق علاج والدها المصاب بالسرطان، وبقلبها أمل أن ينتهي هذا الانتظار بعلاج يُنقذ حياته. تقول هبة: "كنا صابرين لأننا في الآخر كنا بناخد علاج والدنا في مستشفى محترمة، الأطباء والممرضون كانوا بيحاولوا يساعدونا على قد ما يقدروا… بس دلوقتي الوضع اتغير تمامًا".

اليوم، لم تعد هبة تعرف كيف تُكمل رحلة علاج والدها في مستشفى هرمل - دار السلام، فالأدوية الداعمة أصبحت نادرة، وبعضها اختفى تمامًا من الصيدليات التابعة للمستشفى. تضيف بصوتٍ يملؤه القلق: "إحنا مش عارفين ناخد علاجنا… الناس بتموت. عايزين حقنا يرجع لينا، وعايزين علاجنا اللي كنا بناخده على نفقة الدولة".

في الممرات، يجلس مرضى بأجسادٍ منهكة ووجوهٍ يكسوها الصمت، يترقبون وصول دواء قد لا يأتي. الأطباء والممرضون يحاولون جاهدين التخفيف عنهم، لكن عجز المستشفى عن توفير الأدوية جعل المرضى في مواجهة قاسية مع الألم والمجهول.

قصة هبة ليست استثناءً، بل هي صورة مصغّرة لأزمة تمتد عبر مستشفيات عديدة، حيث يواجه آلاف مرضى السرطان في مصر خطر توقف علاجهم بسبب نقص الأدوية الداعمة، في وقت تتزايد فيه شكاوى المرضى وأسرهم من غياب البدائل وارتفاع أسعار الأدوية في السوق السوداء.

وجع المرضى… شهادات من قلب الأزمة

تجلس هالة محمود، وهي مريضة سرطان تتلقى علاجها الكيميائي على هيئة أقراص، تحاول أن تخفي تعبها بينما تتحدث عن معاناتها مع الدواء البديل. تقول بصوتٍ متعب: "كنت باخد نوع مستورد، وكان جسمي متقبله. لكن آخر فترة صرفولي نوع تاني بديل، ومن يومها وأنا بتعب جدًا… الأعراض الجانبية صعبة جدًا، بتخليني مش قادرة أتحرك ولا أعمل أي حاجة".

تضيف هالة بحزن: "إحنا مرضى سرطان وتعبانين كفاية، كفاية اللي إحنا فيه… ارحمونا يا رحمكم الله. نفسي يرجعوا يصرفولنا العلاج الكيماوي الأصلي المستورد اللي كنا بناخده، لأنه كان أرحم على جسمنا".

أما إيناس محمد، وهي مريضة سرطان ثدي تتلقى علاجها في أحد المعاهد القومية للأورام التابعة لوزارة الصحة، فتؤكد أن معاناتهم اليومية لا تتوقف عند العلاج الكيميائي نفسه، بل تبدأ من قبله: "إحنا طول الوقت بنعاني من نقص الأدوية الداعمة، الدكتور بيكتبها لنا، لكن لما نروح الصيدلية يقولوا مش موجودة… اشتروها من بره. بعض الأدوية بيصرفولنا شريط أو اتنين فقط، والباقي لازم نجيبه على حسابنا".

توضح إيناس أن الأسعار أصبحت مرتفعة للغاية، مما يجعل كثيرًا من المرضى غير قادرين على شراء أدويتهم، وتضيف بأسى: "فيه ناس بتجيب على قدها، واللي مش قادرين ما بياخدوش الأدوية دي خالص، وده بيخلي الكيماوي يأثر جامد على جسمهم. إحنا مرضى على نفقة الدولة، لو معانا فلوس مش كنا هنتعالج كده".

وتشير إلى أن قرارات العلاج التي يحصلون عليها تنص بوضوح على صرف الدواء من المستشفى، لكن الواقع مختلف: "المفروض القرار بيغطّي العلاج، بس المستشفى بتدينا علبة أو شريط كل ثلاثة شهور، والباقي نجيبه إحنا، وده مش حل خالص".

من جهتها، تقول وفاء فتحي إنها لم تتمكن من صرف دواء أرمزين 25 منذ الشهر الماضي، موضحة: "قالوا لنا هنصرف الشهر ده بس، والباقي مش معروف إمتى هييجي. كمان أدوية زي البونكير والكالسيوم ما بيصرفوهاش خالص، وكل شوية يقولوا استنوا توريد جديد".

أما عزة جمال فتؤكد أن معاناتها لا تقل عن غيرها، حيث تتلقى علاجًا هرمونيًا فقط، بينما الأدوية المساندة مثل الكالسيوم وفيتامين (د) لا تُصرف لها إلا "شريط واحد كل ثلاثة شهور"، وتقول: "الشريط ما بيكفيش أسبوعين، وبعد كده يقولوا اشتروه من بره، طب وإحنا نجيب منين؟".

وتتفق معها أحلام حلميّة، التي تعاني من نفس المشكلة بالإضافة إلى نقص أدوية الأعصاب وتصف الوضع بكلمات قصيرة تختصر وجع الجميع:

 

أزمة ممتدة… ودواء غائب

بحسب مصادر طبية داخل عدد من مستشفيات الأورام الحكومية، فإن أزمة نقص الأدوية الداعمة لمرضى السرطان بدأت منذ عدة أشهر، وتحديدًا بعد تراجع كميات التوريد من بعض الشركات المنتجة والمستوردة. وتشمل هذه الأدوية العقاقير المسكنة، والمحاليل الوريدية، والمضادات الحيوية، وأدوية المناعة والغثيان، التي تُعد جزءًا أساسيًا من بروتوكولات العلاج الكيميائي.

ويقول طبيب أورام بإحدى المستشفيات التابعة لوزارة الصحة، فضّل عدم ذكر اسمه، إن الأزمة لم تقتصر على أدوية السرطان نفسها، بل امتدت إلى الأدوية المساندة التي تحافظ على استقرار حالة المريض خلال فترة العلاج، وغيابها يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، أبرزها ضعف المناعة، والالتهابات الحادة، وتدهور الحالة العامة.

ويضيف: "كثير من المرضى أصبحوا يوقفون جلسات العلاج الكيميائي لأنهم لا يستطيعون تحمّل الأعراض الجانبية من دون الأدوية المساندة. وده معناه إن بعض الحالات بتدخل في مراحل متقدمة من المرض، لمجرد إن الدواء مش متوفر".

جذور الأزمة… وحلول على الورق

يرى خبراء الصحة أن أزمة نقص الأدوية الداعمة لمضى السرطان ليست مجرد عارض مؤقت، بل نتيجة تراكمات تمتد لسنوات، بدأت بتقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتفاقمت مع ضعف الرقابة على توزيع الأدوية، ما فتح الباب أمام السوق السوداء والمضاربة بأسعار العقاقير الحيوية.

يقول الدكتور سامح المصري، خبير اقتصاديات الدواء، إن المشكلة "بدأت عندما ارتفعت تكلفة الاستيراد دون أن تُحدّث تسعيرة الأدوية في السوق المحلي، فاضطرت بعض الشركات لتقليل الكميات الموردة، بينما علّقت أخرى الإنتاج مؤقتًا لحين مراجعة الأسعار".

 

ويضيف أن "النتيجة كانت عجزًا في الأدوية الأساسية، والأشد خطورة في الأدوية الداعمة، التي تُعد خط الدفاع الأول ضد مضاعفات العلاج الكيميائي".

أما الدكتورة نجلاء الشناوي، أستاذة الأورام بكلية الطب، فترى أن الحل يجب أن يبدأ من "إعادة هيكلة منظومة التوريد والتوزيع، وربط المستشفيات الحكومية بمنصة إلكترونية موحدة تُظهر المخزون الفعلي من كل دواء في الوقت الحقيقي، لضمان عدالة التوزيع بين المحافظات".

وتؤكد أن "وجود قاعدة بيانات دقيقة سيسمح بتحويل الفائض من مستشفى إلى أخرى تعاني عجزًا، بدلًا من ترك المرضى يواجهون الأزمة بمفردهم".

من جهتها، أعلنت الهيئة المصرية للشراء الموحد أنها بدأت بالفعل إجراءات تعاقد عاجلة مع بعض الشركات المنتجة لتوريد الأدوية الداعمة خلال الأسابيع المقبلة، مؤكدة أن الأزمة "تحت السيطرة"، وأن الأولوية ستُعطى لمرضى السرطان والأمراض المزمنة الذين يتلقون علاجهم على نفقة الدولة.

موقف هيئة الدواء: "الأدوية متوفرة في الصيدليات… والأزمة لا تخصنا"

من ناحيته، نفى الدكتور ياسين رجائي، نائب رئيس هيئة الدواء لشؤون الإعلام، وجود أي نقص في الأدوية الداعمة لمرضى السرطان، مؤكدًا أن جميع الأدوية متوفرة في الأسواق المحلية وبكميات كافية. وقال في تصريح خاص لـ«إيجبتك»: «لا يوجد نقص في أي من الأدوية الداعمة أو الأساسية الخاصة بمرضى السرطان. الدليل على ذلك أن هذه الأدوية متوفرة في الصيدليات، وبوفرة واضحة في الأسواق، ويمكن لأي مريض الحصول عليها من أي صيدلية معتمدة».

الدكتور ياسين رجائي، نائب رئيس هيئة الدواء 
الدكتور ياسين رجائي، نائب رئيس هيئة الدواء 

وأوضح الدكتور رجائي أن هيئة الدواء المصرية ليست الجهة المسؤولة عن توريد الأدوية إلى المستشفيات الحكومية أو تلك التي تُقدّم العلاج على نفقة الدولة، مشيرًا إلى أن هذا الملف يخضع لاختصاص كل من الهيئة المصرية للشراء الموحد ووزارة الصحة والسكان، اللتين تتوليان التنسيق بشأن توفير الأدوية داخل المستشفيات.

وأضاف: "دور هيئة الدواء هو التأكد من توافر الأدوية في السوق المصري وضمان جودتها وسلامتها. أما ما يتعلق بآليات توزيعها داخل المستشفيات الحكومية أو كميات الصرف للمرضى، فهذا شأن إداري تتولاه جهات أخرى بالتنسيق مع وزارة الصحة."

وبينما تؤكد الهيئة أن الدواء "متاح ومتوافر في الصيدليات"، يبقى السؤال المطروح من المرضى: لماذا لا يجدونه في مستشفياتهم الحكومية رغم صدور قرارات علاج رسمية تضمن لهم الحصول عليه مجانًا؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء