ذكرى نصر أكتوبر.. رقية السادات تكشف لـ"إيجبتك" أسرارًا من بيت الزعيم
يوم الحرب كان صعبًا علينا.. ووالدي كان واثقًا من النصر
أول مرة رأيت والدي في السجن سألته: هو أنت حرامي؟
ميت أبو الكوم كانت ملاذ السادات وراحته من صخب السياسة
والدي احتفظ بقلمه ومصحفه وأشعر أنه معي حتى الآن
السادات عاش بطلًا ومات شامخًا وسيبقى خالدًا بوجدان المصريين
في ذكرى نصر أكتوبر المجيد، تعود بنا الذاكرة إلى بيت الزعيم الراحل محمد أنور السادات، حيث اختلطت البطولة بالوجع، والانتصار بالفقد.
وفي حوار خاص لـ«إيچبتك»، استحضرت السيدة رقية ابنة الزعيم أنور السادات، بطل الحرب والسلام، ملامح حياة والدها داخل المنزل، مستعيدة ذكريات إنسانية ووطنية عاشت تفاصيلها بين لحظات القلق والأمل والألم الذي لم يندمل منذ استشهاده، وإلى الحوار.
في البداية، كيف كانت علاقتكِ بالرئيس السادات كأب؟
كنت الأقرب إلى بابا، كنا نفهم بعضنا بلغة العيون، وكنا ننظر لبعضنا، ونعرف كل شيء دون أن نتكلم وكانت بيننا لغة خاصة، حتى الذين يجلسون حولنا لم يكونوا يفهمون ما يريد قوله، لكنني كنت أعرف العلاقة بيننا كانت مليئة بالخصوصية والحب الكبير.

ماذا تتذكرين عن يوم الحرب؟
يوم الحرب كان من أصعب الأيام، لم يكن أحد يعرف شيئًا، والسرية كانت تامة وحتى نحن كعائلة تفاجأنا مثل الناس تمامًا، وفجأة عرفنا أن هناك حربًا بدأت دون تفاصيل والقلق كان كبيرًا، لكننا كنا واثقين فيه.
هل كان السادات يتأثر بالمواقف الإنسانية رغم مسؤولياته الكبرى؟
طبعًا، بابا عمره ما نسي الناس الذين قابلوه في حياته. أتذكر جيدًا عندما كان في رفح، وكان هناك رجل عامله معاملة طيبة قبل أن يصبح رئيسًا، وبعد أن تولى الرئاسة سأل عنه، ولما علم أن فرح ابنته اقترب، أرسل له، وذهب بنفسه ليلبّي دعوته وحضر الفرح وكان دائمًا يحترم الأصل والوفاء.
كيف كان يتعامل الرئيس السادات مع أحفاده؟ وهل كان أحدهم مميزًا بالنسبة له؟
أيوه، ابني البكري اسمه محمد أنور، اسم مركب، وكان هو الحفيد المدلل لبابا وكان يرى فيه الكثير من نفسه، وكان دائمًا قريبًا منه. ربما لأن اسمه يحمل اسمه، وربما لأنه أول حفيد، لكن فعلًا كانت بينهما علاقة مميزة جدًا.
هل تتذكرين أول مرة عرفتِ أن والدك كان مسجونًا سياسيًا؟ وكيف تعاملتِ مع الموقف كطفلة؟
أيوه، فاكرة كويس. كنت عندي ست سنوات، وساعتها الأولاد في الشارع قالوا لي "أبوكِ حرامي" وزعلت جدًا، وكنت مش فاهمة حاجة. رحت لجدي وسألته، فقال لي "لأ، طبعًا مش حرامي"، وأخذني معه في زيارة لبابا وهو في السجن وأفتكر كويس إننا دخلنا مكتب الضابط النوبتجي وقتها، وكان هو الفنان صلاح ذو الفقار، وقعدنا في المكتب، وجابوا بابا. أول سؤال قلته له "بابا، أنت حرامي؟" فضحك وقال لي "لأ يا بنتي، أنا مش حرامي.. أنا بخرج الإنجليز من البلد" ومن يومها وأنا فخورة إن بابا كان مسجونًا سياسيًا، وده شرف لينا كلنا.

وكيف كانت علاقتكم بأسرة الرئيس جمال عبد الناصر؟
بصراحة، علاقتنا بأسرة عم جمال (الرئيس عبد الناصر) ماكنتش قوية وصحيح وهم في الصغر كانوا ساكنين في كوبري القبة زينا، لكن ماكنش فيه علاقات قريبة أو تواصل مستمر بين الأسرتين وكل واحد كان له طريقه وظروفه.
كيف كانت الأجواء داخل بيت الرئيس السادات أثناء حرب أكتوبر؟
كانت حالة القلق مسيطرة علينا كلنا، ومش بس على العيلة، لكن على كل المصريين والحرب كانت أكبر من أي توقع، ومحدش فينا كان يتصور إننا هننتصر بس والدي، رحمه الله، كان مختلف، كان عنده يقين كبير إن النصر آتٍ، وكان دايمًا بيقول إن ده توفيق من ربنا، وإنه بيحس إن ربنا هينصره لأن نيّته صافية، وكان دايمًا بيصلي ويدعي ليل نهار.
وما الذي كان يمنحه هذا اليقين بالنصر؟
والدي كان عنده صلة بربه قوية جدًا، وكان دايمًا يقول "أنا بيني وبين ربنا عمار"، وكان شايف إن النصر مش جاي من العسكر بس، النصر جاي من ربنا، وإن ربنا هيكتبه على إيده واللي عرفه كويس، يعرف إنه كان بيحب مصر أكتر من أي حاجة، حتى أكتر من والده.
لماذا كان الرئيس السادات يحب "ميت أبو الكوم" بهذا الشكل؟
ميت أبو الكوم كانت بالنسبة له أكتر من بلد، كانت الجذور، كانت الراحة، وكانت الذكريات. وكلما تعب أو ملّ من السياسة وضغط الشغل، كان يقول "نازل البلد"، كأنه بيروح بيته الحقيقي.

حدثينا عن الشهيد الطيار عاطف السادات، وما الذي يميز علاقتك به؟
الله يرحمه، عم عاطف أول شهيد في سلاح الطيران في حرب أكتوبر، وكان أصغر مني، لكنه كان دايمًا بيناديني "يا أبلة رقية"، وأنا كنت بناديه "يا عمي" وكانت بينا علاقة خاصة جدًا فيها مودة وتقدير. خبر استشهاده نزل علينا كالصاعقة، كنت قريبة منه جدًا، وكنا بنحكي ونتكلم كتير، وراح لربنا وهو صايم، ودي حاجة كبيرة أوي عند ربنا.
هل ترين أن السادات ما زال حيًا في قلوب المصريين؟
السيدة رقية السادات: طبعًا، والدي مش بس كان رئيس، هو كان أب لكل المصريين وكل بيت مصري بيشاركني فيه، والناس بتحبه وبتدعيله لحد النهارده، وده أكبر دليل إنه ساب أثر كبير مش بس في السياسة، لكن في قلوب الناس.
نعود للحظة استشهاد الرئيس السادات... كيف عشتِ هذه الصدمة؟
لحد النهاردة أنا بعاني من صدمة استشهاد والدي. مش قادرة أنسى وكان مكلمني قبلها بالتليفون وقال لي "هنخلص العرض ونطلع على ميت أبو الكوم"، المكان اللي كان بيعشقه وقال لي "هنقعد يومين تلاتة هناك"، وكان صايم يومها، وماكنتش أعرف إن ده هيكون آخر كلام بينا وآخر مرة أسمع فيها صوته.
كيف ترين مصر الآن، وما الذي تتمنينه في ذكرى نصر أكتوبر؟
السيدة رقية السادات: أتمنى إن شبابنا يقرأ عن اللي حصل ويعرف يعني إيه أكتوبر، ويعني إيه السادات، ويعني إيه نصر اتكتب بدم وشرف وكرامة واللي حصل مش مجرد معركة عسكرية، دي كانت لحظة استرداد لكرامتنا كلنا، وعشان كده لازم نفتكر ونفتخر.
ما الذي تقولينه لأولادك وأحفادك عن الرئيس السادات؟
بقولهم دايمًا "جدكم ماكنش بس رئيس، كان إنسان عظيم بيحب بلده حب حقيقي، واشتغل عشانها بكل اللي يقدر عليه"، وبوصيهم يحافظوا على اسمه، لكن الأهم إنهم يحافظوا على مصر اللي ضحّى عشانها.
هل ما زالت هناك مقتنيات شخصية تحتفظين بها من والدك الرئيس السادات؟
أيوه، ولحد دلوقتي أنا محتفظة بالقلم بتاعه، القلم اللي كان بيكتب بيه خطاباته، واللي شهد توقيع قرارات مصيرية في تاريخ مصر. وكمان محتفظة بالمصحف اللي كان بيقرأ فيه، وكان دايمًا جنبه في كل مكان، سواء في المكتب أو لما يسافر. ودي مش مجرد حاجات أو ذكريات، دول جزء من روحه ولما بمسك القلم أو المصحف بحس كأنه لسه حواليا، ولسه صوته وكلامه بيرن في ودني الحاجات دي بتديني قوة، وبتفكرني دايمًا إنه كان إنسان مؤمن وبيعمل كل حاجة بإخلاص شديد.
كيف ترين السيرة الذاتية للرئيس الراحل أنور السادات بعد كل هذه السنوات؟
السادات ساب سيرة نفتخر بيها، مش بس كعيلة، لكن كمصريين كلنا وهو مش مجرد رئيس خاض حرب وحقق نصر، ده إنسان عاش بسيط، واتربى على القيم، وواجه تحديات عمره ما هرب منها. من أول نضاله ضد الاحتلال وسجنه، لحد ما بقى رئيس، واتخذ قرارات مصيرية زي العبور والسلام، وكلها كانت نابعة من حبه لمصر وشعبها وكان مؤمن إن الكرامة مش كلمة، وإن مصر تستحق مكانة كبيرة بين الأمم.
أخيرًا، ما الرسالة التي تحبين توجيهها عن والدك للجيل الجديد؟
عايزة الجيل الجديد يعرف قد إيه الراجل ده كان وطني بجد، وكان بيحب البلد دي من قلبه، وكان إنسان بسيط، صادق، وفيّ، بيحترم الناس كلها. وأنا فخورة إني بنته، وفخورة بكل لحظة عشتها معاه.