الاقتصاد زمن النصر.. كيف واجه المصريون الحرب بجيوب فارغة وقلوب عامرة؟
لم يكن نصر أكتوبر 1973 مجرد انتصار عسكري أو سياسي، بل كان معركة كبرى للإرادة المصرية أمام ظروف اقتصادية خانقة: ضعف التنمية، تراجع المعيشة، وحصار اقتصادي فرضته الولايات المتحدة ودول الغرب، ورغم التحديات، برهنت مصر أن التلاحم بين الدولة والشعب والجيش قادر على صناعة المستحيل.

نمو اقتصادي ثم انتكاسة.. من 6% إلى الانكماش
شهدت مصر قبل حرب 1967 خطوات تنموية مهمة، حيث ارتفع معدل النمو إلى أكثر من 6% عام 1965، وبلغ الاستثمار 17.8% من الناتج المحلى بدلًا من 12.5% في الخمسينيات، كما ارتفعت نسبة الصناعة في الصادرات إلى 25% وزادت العمالة الصناعية بمعدلات غير مسبوقة منذ عهد محمد على.
لكن الهزيمة في 1967 قلبت الموازين: توقفت القروض والمعونات (التي مثلت 20% من الاستثمارات)، أُغلقت قناة السويس (خسارة 164 مليون دولار سنويًا)، وانخفضت إيرادات السياحة (100 مليون دولار سنويًا)، مع فقدان آبار النفط بسيناء وتهجير مليون مواطن من مدن القناة.
ديون تحت السيطرة.. ثم قفزة إلى 5 مليارات دولار
حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، لم تتجاوز الديون المدنية المصرية 1.3 مليار دولار (25% من الناتج القومى)، لكن مع مطلع السبعينيات ارتفعت الديون إلى أكثر من 5 مليارات دولار، ما وضع الدولة أمام خيار وحيد، الاستعداد للحرب كطريق للتحرير والاستقرار.
مليار جنيه سنويًا للمعركة.. و«ميزانية الحرب»
في يناير 1973، أعلنت الحكومة تخصيص مليار جنيه سنويًا للقوات المسلحة، وفى فبراير من العام نفسه قدمت «ميزانية المعركة»، التي تضمنت:
• تحويل الموازنة العامة إلى «موازنة حرب» لتغطية جميع متطلبات الجيش.
• ترشيد الاستيراد وتفضيل المنتج المحلى.
• تأجيل المشروعات طويلة الأجل غير المرتبطة بالمعركة.
• خفض مصروفات السفر، الانتقالات، الاحتفالات والأوسمة بنسبة تراوحت بين 10% و75%.
7 ملايين جنيه من «سندات الجهاد».. مشاركة شعبية غير مسبوقة
عقب انتصار أكتوبر، طرحت الحكومة «سندات الجهاد» بفئات تبدأ من 50 قرشًا حتى 100 جنيه، بفائدة 4.5% ومعفاة من الضرائبـ، وبلغت حصيلتها 7 ملايين جنيه خلال شهر واحد فقط، قبل أن يصبح الاكتتاب فيها إجباريًا باستثناء محدودي الدخل، كما ارتفعت حصيلة الضرائب إلى 150 مليون جنيه بزيادة 23.5 مليون عن عام 1972 بدافع وطني.

أسعار عام النصر.. إضراب عن اللحوم وارتفاع الذهب
شهد عام 1973 إضرابًا شعبيًا عن شراء اللحوم بعد ارتفاع سعر الكيلو إلى 65 قرشًا، لتصل المقاطعة في بعض المدن إلى نسبة 95%. وفى المقابل، ارتفع الذهب «عيار 21» من 133 قرشًا إلى 185 قرشًا للجرام، في حين شهد الدولار الأمريكي انخفاضًا رسميًا 18% بسبب أزمة الاقتصاد الأمريكي وقتها.
مشروعات تنموية بالرغْم من الحرب.. من «نصر 125» إلى مترو الأنفاق
رغم ظروف المعركة، شهد عام 1973 انطلاقة لمشروعات تنموية كبرى:
• بدء إنتاج السيارة «نصر 125» بمصانع النصر للسيارات.
• الإعلان عن مشروع مترو الأنفاق بتكلفة 100 مليون جنيه.
• تنفيذ خط أنابيب بترول «السويس – الإسكندرية».
• إنشاء 8 محطات كهرباء بـ10 ملايين جنيه لمواجهة انقطاع التيار.
الدعم العربي.. البترول كسلاح اقتصادي
بجانب وقف تصدير البترول للغرب، أقر المجلس الاقتصادي العربي في ديسمبر 1973 تأسيس «البنك العربي الإفريقي» لدعم الاقتصاد العربي خلال الحرب وبعدها، في خطوة تعكس وحدة الصف العربي خلف مصر.