شد الحزام.. كيف ساند المصريون الجيش في اقتصاد الحرب لتحقيق النصر؟
واجهت مصر ظروفًا سياسية واقتصادية بالغة القسوة بعد نكسة 1967، حيث كانت المنح والمعونات العربية، المقدّرة بنحو 286 مليون دولار سنويًا، تُستهلك في خدمة ديون مصر التي بلغت أقساطها المستحقة نحو 240 مليون دولار سنويًا.. هذا الوضع انعكس على معدلات النمو التي تراجعت إلى 3% فقط، وتدهورت المرافق العامة والبنية الأساسية، وانخفضت الأجور، وتدهور ميزان المدفوعات.
ورغم هذه الضغوط، فإن ديون مصر المدنية حتى وفاة الرئيس جمال عبدالناصر لم تتجاوز 1.3 مليار دولار، أي ما يمثل أقل من 25% من الناتج القومي الإجمالي.

بداية السبعينيات.. أزمة خانقة وخيار واحد
مع بداية السبعينيات ارتفعت الديون الخارجية لمصر لتتجاوز 5 مليارات دولار، وتراجعت الصادرات بشكل ملحوظ، ما جعل البلاد أمام خيار واحد: خوض الحرب رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الدولية.
في هذا السياق، برزت ملحمة شعبية شارك فيها المصريون بمختلف فئاتهم لدعم الجيش وإدارة اقتصاد الحرب، حيث تلاحمت إرادة الدولة مع الشعب والجيش لتصنع انتصار أكتوبر 1973.
انتصار الإرادة لا السلاح فقط
لم يكن نصر أكتوبر مجرد إنجاز عسكري أو سياسي، بل كان أيضًا انتصارًا اقتصاديًا على الظروف القاسية، والحصار الغربي، ومحاولات إضعاف مصر اقتصاديًا، ومثّل النصر لحظة فارقة لإثبات أن الإرادة الوطنية قادرة على مواجهة الانكسار والتغلب على الضعف.
إنجازات اقتصادية سبقت النكسة
وقبل نكسة 67، كان الاقتصاد المصري يحقق نموًا حقيقيًا تجاوز 6% بحلول عام 1965، وارتفع معدل الاستثمار إلى 17.8% من الناتج المحلي مقابل 12.5% في نهاية الخمسينيات.

كما ارتفع نصيب الصناعة في الصادرات إلى 25% بدلًا من 18%، وزادت العمالة الصناعية بمعدلات غير مسبوقة منذ عهد محمد علي، لكن الحرب غيّرت المسار، حيث توقفت القروض والمعونات الأجنبية التي مثلت خمس الاستثمارات، وهو ما أوقف زخم التنمية.
شهادة جلال أمين
في كتابه "قصة الاقتصاد المصري"، يروي الدكتور جلال أمين أن هزيمة 1967 أدت إلى تراجع حاد في موارد النقد الأجنبي، لكنها لم تؤثر على تمويل الإنفاق العسكري استعدادًا لحرب جديدة في ظل أوضاع بالغة الصعوبة “شد الحزام”، حيث صمد الاقتصاد المصري والشعب معًا، ليصبحا جزءًا من ملحمة النصر في أكتوبر.