كواليس لا تنسى من مشاركة لطفي لبيب في نصر أكتوبر
لم يكن الفنان الراحل لطفي لبيب مجرد نجم شاشة أو وجه مألوف في الدراما والسينما المصرية، بل كان أحد أبطال الميدان الذين كتبوا بدمائهم فصولًا من نصر أكتوبر المجيد عام 1973 قبل أن يعرفه الجمهور ممثلًا قديرًا بصوته الهادئ وابتسامته الودودة، كان جنديًا في سلاح المشاة ضمن صفوف الجيش الثالث الميداني، يواجه النيران في الخطوط الأمامية مدافعًا عن أرض الوطن.
بطل في الميدان قبل الكاميرا
لم يتباهَ لطفي لبيب يومًا بمشاركته في الحرب، بل كان يتحدث عنها دومًا بتواضعٍ يليق بجندي يعرف معنى التضحية، كان يرى أن تلك التجربة العسكرية شكّلت وجدانه الإنساني والفني، وأنها فصل لا يمحى من حياته ، وقد قال في أحد لقاءاته التلفزيونية قبل رحيله: "نصر أكتوبر كان نصرًا ساحقًا، وبالنسبة لي دي كانت مرحلة من عمري لا يمكن أنساها، كنت في الخطوط الأمامية، والطلق حوالينا من كل اتجاه، مفيش إحساس أصعب من إنك تستنى طلقة مش عارف هتجيلك منين ولا إمتى".
بطولات خلف خطوط النار
وكشف لطفي لبيب في حديثه أن الحرب بالنسبة للجيش الثالث لم تنتهِ مع عبور القناة في السادس من أكتوبر، بل استمرت حتى توقيع اتفاقية الفصل بين القوات عند الكيلو 101، بعد أكثر من 130 يومًا من الحصار القاسي، وخلال تلك الفترة، عانى الجنود من نقص الطعام والمياه والإمدادات، لكنهم ظلوا ثابتين بإيمانهم بعدالة قضيتهم وإصرارهم على حماية الأرض.
ورغم صعوبة التجربة، كان الفنان الراحل يرويها دومًا بنبرة امتنان ووفاء لزملائه الذين لم يعودوا معه من الميدان، قائلًا في إحدى شهاداته المؤثرة: "تسعين في المية من اللي كانوا معايا استشهدوا، ولسه فاكرهم كلهم.. الله يرحمكم يا أبطال".
ذكرى لا تنسى
من أكثر اللحظات التي أثرت فيه خلال الحصار كانت يوم 7 يناير، حين تزامن عيد الميلاد المجيد مع ضيق الإمدادات يروي لطفي لبيب هذه الذكرى قائلًا: "يوم العيد جالي زميلي الشيخ عبد الفتاح صقر بجركن ميه عشرين لتر، وقال لي استحمى وعيد، وإحنا كنا بناخد لتر واحد بالعافية... الحاجات دي مبتتنسيش، دي اللي بتعيش جواك طول العمر."
ورحل عن عالمنا لطفي لبيب، لكنه ترك وراءه سيرتين خالدتين؛ سيرة فنان ملأ الشاشة حضورًا، وسيرة جندي صمد في وجه الحرب بكرامة وشجاعة نادرتين لم يكن أحد يعلم أن وراء ضحكته الحنونة ذاكرة معركة وقصة وطن عاشها بكل جوارحه.

