الكتاب الملعون الذي تحدّى الزمن.. سر «شمس المعارف الكبرى»
مع اقتراب معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، تعود إلى الواجهة مجموعة من المؤلفات التي تثير الجدل في كل دورة، بعضها حديث الصدور، وبعضها الآخر من التراث العربي الغامض، ومن بين هذه الكتب التي لا تزال تثير القلق والفضول معًا، يبرز اسم «شمس المعارف الكبرى» للشيخ أحمد بن علي البوني، الذي يُعد أكثر كتب التراث الإسلامي إثارة للجدل والتحريم على مر العصور، وعرف بالكتاب الملعون.
كتاب يثير الرعب والفضول
يعتبر «شمس المعارف الكبرى» واحدًا من أكثر الكتب إثارة للرعب والفتنة في الذاكرة الشعبية. فبينما يرى فيه البعض كتابًا للتصوف والعلوم الروحانية، يعتبره آخرون أخطر كتب السحر التي عُرفت في العالم الإسلامي.
تحذر منه المؤسسات الدينية بشدة، إذ يحتوي على نصوص وطلاسم وأوفاق يُعتقد أنها تستخدم في أعمال السحر والتنجيم واستحضار الأرواح. ومع ذلك، لا يتوقف فضول القراء عن البحث عنه وقراءته، ربما بدافع رغبة الإنسان الأزلية في معرفة المجهول.
أساطير لا تنتهي
تتناقل الألسنة حكايات حول أن البوني استلهم محتوى الكتاب من برديات مصرية قديمة اكتشفها أثناء زيارته لمعابد في صعيد مصر، غير أن هذه الرواية لم تُثبت تاريخيًا، وتبقى في إطار الأساطير.
ويؤكد الباحثون أن كثيرًا من القصص المحيطة بالكتاب تم تضخيمها عبر القرون، لتتحول إلى أسطورة شعبية كاملة يعيشها الناس بين الخوف والانبهار.
محتوى «شمس المعارف الكبرى»
تتكون النسخة المتداولة اليوم من 600 صفحة مقسمة إلى 40 فصلًا، تتنوع موضوعاتها بين الفلك والطلاسم وعلوم الحروف والأسماء والأوفاق.
ومن أبرز فصوله:
أسرار البسملة وخواصها الخفية.
الأسماء التي كان النبي عيسى عليه السلام يحيي بها الأموات.
أسرار آية الكرسي وسورة يس.
أحكام منازل القمر والبروج والنجوم.
ويضم الكتاب أيضًا نصوصًا حول ما يسميه البوني بـ«اسم الله الأعظم»، ويُعتقد أنه يحمل «قوة روحانية خارقة» لمن يعرف أسراره، وهو ما جعل كثيرين يرونه نصًا يقع على الحد الفاصل بين العلم المشروع والسحر المحرّم.
التحريم الديني
اتفق كبار العلماء على تحريم قراءة أو اقتناء الكتاب، لكونه يتناول تعليم السحر. وقد شدد الشيخ عبد العزيز بن باز في فتواه الشهيرة على أن:
> «ولا يجوز لطالب العلم ولا غيره أن يقرأها أو يتعلم ما فيها، لأنها تفضي إلى الكفر بالله، والواجب إتلافها أينما وُجدت».
ويرى الفقهاء أن خطورة الكتاب لا تكمن فقط في محتواه، بل في ما يزرعه من أفكار مريبة حول التعامل مع الغيب والجن، وهي مفاهيم تتعارض مع العقيدة الإسلامية.
الجدل الأكاديمي
لم يتوقف الاهتمام بـ«شمس المعارف» عند حدود التحريم الديني، بل امتد إلى المراكز البحثية والجامعات الغربية التي درست أثره الثقافي.
ففي دراسة بعنوان «المعرفة المحرّمة.. ملاحظات حول إنتاج ونقل واستقبال أعمال أحمد البوني»، يؤكد الباحث الأمريكي نوح غاردنر من جامعة ميشيجن، أن النص الحالي للكتاب تمت صياغته في القرن السابع عشر الميلادي، أي بعد وفاة البوني بخمسة قرون، ما يثير الشكوك حول نسبته إليه.
أما الأكاديمي الإنجليزي روبرت جراهام إيروين، من جامعة بنسلفانيا، فيذهب إلى أن «البوني» أصبح رمزًا أسطوريًا مثل جابر بن حيان، تُنسب إليه مؤلفات لم يكتبها. ويرى أن اسم «البوني» استُخدم كعلامة تجارية تُوضع على كل نص يتناول السحر والروحانيات.
من هو البوني؟
هو شرف الدين أحمد بن علي البوني، صوفي جزائري وُلد في مدينة «بونة» بالقرن الثالث عشر الميلادي، وعُرف بتبحّره في علوم الحروف والأسماء.
سافر إلى تونس ومصر وبغداد، وكان زاهدًا متعبدًا يميل إلى العزلة والتأمل. ويُقال إنه اعتكف طويلًا في جبل «ماكوض» بتونس، حيث ألّف معظم كتبه.
ورغم تضارب الروايات حول شخصيته، إلا أنه يُعد من أبرز من تناولوا علم الحروف والأوفاق في الفكر الإسلامي الوسيط.
إرث لا يُمحى
يبقى «شمس المعارف الكبرى» كتابًا لا يموت، رغم كل محاولات منعه وإتلاف نسخه.
هو عمل يقف على مفترق طرق بين الروحانية والتصوف والسحر والعلم، ويجسد الصراع الأبدي بين فضول الإنسان والقيود التي يفرضها الدين والمجتمع.
وربما لهذا السبب، لم يفقد الكتاب مكانته حتى اليوم، فكل جيل يعيد اكتشافه بطريقته، بين من يراه بوابة للظلام، ومن يراه مرآة لتراثٍ غامضٍ لا يزال يدهشنا بعد قرون.