معركة الفن والذكاء الاصطناعي.. صلاح بيصار يحذر من الفوضى.. ومحمد كمال يرد: الإنسان لا يهزم
يشهد الوسط الفني في مصر والعالم نقاشًا محتدمًا حول مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الفنون، خاصة الفن التشكيلي الذي يُعدّ أكثر الفنون التصاقًا بالخيال الإنساني والمهارة اليدوية.
بينما يرى فريق من النقاد أن هذه التقنية تمثل خطرًا حقيقيًا يهدد هوية الإبداع ويخلط الأنساب الفكرية والتراثية، يؤكد آخرون أنها مجرد أداة جديدة في يد الفنان يمكن توظيفها لتوسيع أفق التجربة الجمالية.
تباينت آراء النقاد بين التحذير والدعوة إلى الوعي، وبين الإيمان بقدرة الفنان على ترويض التكنولوجيا وتحويلها إلى مساحة جديدة للإبداع.
صلاح بيصار: الذكاء الاصطناعي يهدد الإبداع التشكيلي ويخلط أنساب التراث الإنساني

حذّر الناقد التشكيلي الكبير صلاح بيصار من الخطر المتصاعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الفنون، مؤكداً أن هذا النظام، الذي يُعد من أبرز مظاهر ما بعد الحداثة وثورة الاتصالات، أصبح يتغلغل في كل المجالات من الطب والهندسة إلى الثقافة والفن، لكنه يشكّل تهديداً حقيقياً للإبداع الأصيل وللتراث الإنساني.
وقال بيصار في تصريحات خاصة إن "الذكاء الاصطناعي لا يقتصر خطره على تشويه هوية الفن، بل يتجاوز ذلك إلى خلط الأنساب الفكرية والإبداعية، حيث تُستعمل أعمال فنية أصيلة — من نحت وتصوير وجرافيك — داخل منظومات رقمية تنتج صوراً هجينة بلا جذور فنية أو فكرية واضحة"، مشيراً إلى أن هذا "اختلاط خطير بين الأصل والمصنوع رقمياً يجعل من الصعب تمييز الهوية الفنية الحقيقية".
وأضاف أن الأزمة تتضاعف في ظل ضعف تفعيل قوانين الملكية الفكرية في مصر، إذ "تظل القضايا معلقة لسنوات طويلة دون حسم، مما يفتح الباب أمام القرصنة الفنية والسطو الرقمي على أعمال الفنانين"، لافتاً إلى أن بعض الأساتذة في الكليات الفنية بدأوا بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج بورتريهات وأعمال فنية في دقائق معدودة، وهو ما وصفه بـ"الكارثة التي تهدد القيم التربوية والإبداعية في التعليم الفني".
وبيّن بيصار أن تدريس الذكاء الاصطناعي داخل الكليات الفنية دون ضوابط سيكون "خراباً حقيقياً"، لأن الطالب حين يستعين بهذه التقنية لا يعود مرجعه الإبداعي إلى التراث أو المراجع الفنية، بل إلى نظام برمجي "يخلط بين مراجع مجهولة المصدر". وأكد أن "الذكاء الاصطناعي إذا استُخدم بهذه الطريقة سيحوّل الفن إلى مجرد توليفة آلية تسيء للأصول وتطمس ملامح الجمال الإنساني".
وأشار إلى أن "الخطر لا يقف عند حدود الفن فقط، بل يمتد إلى العلوم والحروب أيضاً"، لافتاً إلى أن بريطانيا أنشأت وزارة خاصة بالذكاء الاصطناعي، وأقرت رسمياً أن العالم يواجه خطراً حقيقياً بسببه.
واختتم صلاح بيصار تصريحاته بدعوة عاجلة إلى تشكيل مجلس أعلى من أساتذة الكليات الفنية في مصر لمواجهة تمدد الذكاء الاصطناعي في مجال الإبداع التشكيلي، مؤكداً أن "هذا النظام المتسارع لا يمكن اللحاق بقوته، لكن يمكن وضع حدود تحمي الإبداع الأصيل من الذوبان في فوضاه الرقمية".
محمد كمال: الذكاء الاصطناعي مجرد آلة... والفنان هو من يحدد إن كان خطرًا أم أداة للإبداع

على النقيض من التحذيرات المتصاعدة، يرى الناقد محمد كمال أن الذكاء الاصطناعي ليس خطرًا في ذاته، بل في طريقة تعامل الإنسان معه، موضحًا أن "كل اختراع جديد واجه في بداياته نفس المخاوف، من الكاميرا إلى الكمبيوتر، ثم أثبت الزمن أنه وسيلة لتطوير الإبداع لا لطمسه".
وأضاف كمال أن الكاميرا عندما ظهرت في القرن التاسع عشر قيل إنها ستقضي على التصوير والرسم، لكن ما حدث هو العكس تمامًا، إذ تطور الفن واتسعت مجالات الإبداع بفضل التكنولوجيا، حتى أصبح التصوير في متناول الجميع من خلال الهواتف المحمولة. "الفن لم يمت، بل تجدد وازداد حيوية"، على حد قوله.
وأكد كمال أن المسألة الجوهرية تكمن في علاقة الإنسان بالآلة، قائلاً: "القضية ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، بل فيمن يسيطر على من، الإنسان أم الآلة؟"، مضيفًا أن الفنان الواعي هو الذي يجعل من الذكاء الاصطناعي وسيلة لتجسيد خياله، لا بديلاً عنه.
ويرى أن الخطر الحقيقي يكمن في الاستخدام العشوائي للتقنية دون وعي فني، لأن الفنان الذي يترك الآلة تنتج بالنيابة عنه يفقد صلته بروحه الخاصة، أما من يوظفها بذكاء في خدمته الإبداعية، فإنه يفتح لنفسه بابًا جديدًا من الابتكار.
ويضيف كمال أن الفنان الحقيقي هو الذي يمتلك بصمة وهوية لا يمكن لأي آلة أن تقلدها، فالإبداع لا يصدر من فراغ، بل من تجربة إنسانية تمزج بين الإحساس والذاكرة والوجدان. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي مهما بلغ من دقة في توليد الصور أو الأشكال، فإنه يظل عاجزًا عن استحضار الروح التي تميز العمل الإنساني عن المنتج الآلي.
ويشير إلى أن ما يعيشه العالم الآن هو مرحلة تفاعل طبيعي بين الفن والتقنية، تشبه ما حدث مع ظهور التصوير الفوتوغرافي، ثم السينما، ثم برامج التصميم الرقمي مثل "فوتوشوب"، التي أثارت بدورها مخاوف مشابهة ثم تحولت إلى أدوات إبداعية طورت الذائقة الجمالية ووسعت أفق الفنانين.
ويشدد كمال على أن "الذكاء الاصطناعي لن يكون بديلًا عن الفنان، بل مكملًا له، إذا أحسن استخدامه ووجّهه لخدمة الخيال الإنساني لا لنسخه"، مضيفًا أن القلق من الذكاء الاصطناعي طبيعي في البداية، لكنه سيتلاشى مع إدراك الفنانين أن الآلة في النهاية لا تملك وجدانًا ولا حسًا فنيًا.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن "الإنسان سيبقى الكلمة الفاصلة في كل عصر، فهو المبدع الحقيقي الذي يملك الخيال، أما الآلة فلا تتجاوز كونها وسيلة في يده".
ما بين التحذير والتفاؤل... أين يقف الفن؟
يعكس هذا الجدل بين بيصار وكمال الانقسام الواسع في الساحة الفنية حول موقع الذكاء الاصطناعي من منظومة الإبداع.
فبينما يخشى البعض أن تذوب الأصالة في زحام البرمجيات والخيال الاصطناعي، يرى آخرون أن الفن بطبيعته لا يُقهر، لأنه تعبير عن جوهر الإنسان لا عن أدواته.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى ثورة فنية جديدة تُعيد تعريف الإبداع، أم أنه بداية زمن "النسخ الميكانيكي" الذي يهدد جمال الإنسان؟
الإجابة، كما اتفق النقاد رغم اختلافهم، ستظل دائمًا بيد الفنان نفسه... لأنه في النهاية هو من يقرر إن كانت الآلة وسيلة للإلهام، أم جدارًا يحجب عنه نور الخيال.