رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد رفع أسعار العلاج النفسي.. الشوارع تحتضن «المرضى» والأطباء يحذرون

مستشفي الأمراض النفسية
مستشفي الأمراض النفسية

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن دعم الصحة النفسية ورفع الوعي بخطورة الأمراض العقلية، جاء قرار وزارة الصحة والسكان بزيادة أسعار جلسات العلاج النفسي داخل المستشفيات، وتحمل المرضى للجانب الأكبر من التكلفة، ليلقي بظلال قاتمة على مستقبل أعداد هائلة من المرضى، الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يدفع كل منهم ما يفوق قدرته على التحمل، من أجل أن يستكمل علاجه، أو يهيم على وجهه بحثًا عن نهاية لحياته تكون أكثر رحمة من بقائه. 

نص قرار وزارة الصحة

وأصدرت وزارة الصحة والسكان، القرار رقم 220 لسنة 2025، المنظم للائحة المالية والإدارية الموحدة، الخاصة بصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية، ومراكز علاج الإدمان.

وبموجب هذه اللائحة التي بدأ تطبيقها منذ مطلع شهر أغسطس الماضي، يتم رفع أسعار الخدمات العلاجية بمستشفيات الصحة النفسية، ومراكز علاج الإدمان بنسبة 300%.

وتشمل الزيادات سعر الإقامة بالجناح لتكون تكلفتها 550 جنيهًا يوميًا، وأن يسمح بوجود مرافق عند الضرورة بحسب حالة المريض، وفي حالة استخدام مرتبة هوائية يتم تحصيل مبلغ 70 جنيهًا يوميًا، ويمكن للمستشفى وبناء على طلب المريض تخصيص تمريض لمدة 24 ساعة، على أن يتم محاسبة التمريض على أساس 650 جنيهًا يوميًا.

وبحسب القرار والمعمم على جميع مستشفيات الصحة النفسية على مستوى الجمهورية، تضمنت قوائم الأسعار تكلفة الإقامة فقط للمريض لليوم الواحد، بداية من 150 جنيهًا للدرجة الثالثة، و180 جنيهًا للثانية، و300 جنيه للأولى، و380 جنيهًا للأولى الممتازة.

وعن خدمات التخاطب والاختبارات والجلسات داخل مستشفيات وأقسام الصحة النفسية، أشار القرار إلى رفع سعر كشف التخاطب إلى 50 جنيهًا، وسعر جلسة الاستشارة إلى 40 جنيهًا، وسعر جلسة التدريب الفردي بواسطة معالج إلى 40 جنيهًا، وسعر جلسة التخاطب الجماعي إلى 50 جنيهًا، وسعر اختبار الذكاء إلى 150 جنيهًا، وسعر إصدار الشهادة أو التقرير الطبي إلى 100 جنيه، فيما وصل سعر جلسة العلاج النفسي أو تعديل السلوك إلى 45 جنيهًا، وسعر الاستشارة التليفونية أو عبر المنصة الوطنية للصحة النفسية إلى 50 جنيهًا.

أما تكاليف الخدمات العلاجية، من أدوية وفحوصات طبية، ومنها التحاليل الروتينية، فتخطت تكاليف وظائف الكلي والكبد والسكر وصورة الدم 400 جنيه، فضلًا عن جلسات العلاج الكهربائي التي وصل سعر الجلسة الواحدة 400 جنيه، كما تضمنت قوائم الأسعار خدمات العيادات الخارجية بمستشفيات الصحة النفسية الحكومية، ومنها اختبار الذكاء بتكلفة 150 جنيهًا وجلسة الرعاية النهارية للأطفال والمراهقين بسعر 45 جنيهًا.
 

حملة "مصيرنا واحد" تدق ناقوس الخطر 

من جهتها قالت حملة "مصيرنا واحد"، المهتمة بالقضايا الصحية، في بيان رسمي، إن اللائحة الجديدة تسببت في زيادات غير مسبوقة في تكاليف الإقامة، حيث تتراوح المصروفات اليومية بين 150 إلى 550 جنيهًا، لتتراوح المصروفات الشهرية ما بين 4500 جنيه، و16 ألف جنيه، وفقًا لدرجة الإقامة، دون احتساب تكلفة الأدوية، أو الفحوص الطبية الإضافية.

وأكد البيان أن هذه الأسعار "تفوق قدرة المرضى النفسيين وأسرهم على التحمل"، خاصة أن أغلبهم لا يتمتعون بتغطية تأمينية، كما أن قرارات العلاج على نفقة الدولة لا تطبق على مستشفيات الصحة النفسية، وحذرت الحملة من أن القرار سيؤدي إلى عزوف المرضى النفسانيين، ومرضى الإدمان عن تلقي العلاج، مشيرة إلى أن "اللائحة الجديدة ترتد بالمريض النفسي إلى عصور الظلام، حين كان يعامل منبوذًا ومعزولًا عن المجتمع والدولة"، بما يحمله ذلك من مخاطر اجتماعية واقتصادية وأمنية جسيمة.

أطباء يحذرون: الزيادة ستؤدي إلى كارثة مجتمعية 

وحذّر الدكتور مصطفى شحاتة، استشاري الطب النفسي، ومدير مستشفى العباسية للصحة النفسية السابق، من التداعيات الخطيرة للقرار، مؤكدًا أنه سيؤدي إلى نتائج كارثية على الأسر، موضحًا أن الزيادة تأتي بالتزامن مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار الأدوية، ما يجعل عبء العلاج مضاعفًا ويزيد الضغوط، وقد يؤدي إلى ارتفاع معدلات العنف والجريمة والانتحار.

الدكتور مصطفى شحاتة، استشاري الطب النفسي
الدكتور مصطفى شحاتة، استشاري الطب النفسي

ولفت شحاتة إلى أن مستشفيات حكومية كمستشفى العباسية تستقبل أكثر من ألف مريض يوميًا في العيادات الخارجية برسوم رمزية، لكن بعد تطبيق التسعيرة الجديدة، ارتفع سعر تذكرة الكشف من جنيه واحد فقط إلى 10 جنيهات أو 20 جنيهًا، كما أن أسعار الإقامة والتنويم شهدت قفزة هائلة من 150 جنيهًا شهريًا إلى نحو 3500 جنيه.

وأكد شحاتة أن هذه الزيادات ستدفع العديد من المرضى للانقطاع عن العلاج وترك المستشفيات، مما يعني عودتهم إلى الشارع بلا مأوى، لتتحول الأزمة من صحية إلى كارثة اجتماعية.

بدوره قال الدكتور أحمد حسين، مدير رعاية حقوق المرضى بالأمانة العامة للصحة النفسية سابقًا ومنسق الحملة، إن اللائحة الجديدة تتعارض مع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي أكدت على ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية، مشيرًا إلى أن القرار يعكس "خللًا في التطبيق وغياباً للمعلومات الدقيقة".

تحرك قانوني وبرلماني وتذكير بالتزامات الدولة 

في الوقت ذاته تقدم فريد البياضي، عضو مجلس النواب، بسؤال عاجل إلى وزير الصحة والسكان، حول الزيادة في تكلفة إقامة المرضى. وتساءل: "أين ذهب العلاج المجاني؟".

وأوضح البياضي أن اللائحة القديمة كانت تنص على تخصيص 60% من الأسرة للعلاج المجاني، ثم خفضت إلى 25%، والآن ألغت الوزارة النسبة تماماً "دون إعلان أو شفافية". وأكد النائب أن ما يحدث يمثل اعتداءً صريحاً على المادة (18) من الدستور، التي تنص على حق العلاج المجاني لغير القادرين، مضيفاً: "لا يمكن القبول بأن تضع الدولة يدها في جيب المريض النفسي في لحظة هي الأشد ضعفاً وإنسانية في حياته".

وطالب النائب في سؤاله بالإفصاح عن الأساس الذي استندت إليه الوزارة في إصدار اللائحة، توضيح موقف الوزارة من نظام العلاج المجاني ونسبه المقررة في اللوائح السابقة، والتراجع الفوري عن تطبيق القرار على حالات الحجز الإجباري على الأقل، باعتبارها التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا على الدولة.

مسارات حقوقية ودعوة للتدخل الرئاسي

وأعلنت حملة "مصيرنا واحد" رفع دعوى قضائية أمام القضاء الإداري، للمطالبة بإلغاء اللائحة، بالتعاون مع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي تبنى القضية تطوعًا، وذلك في ظل تحذيرات الدكتور أحمد حسين من أن استمرار العمل بالقرار سيؤدي إلى تفاقم الأزمة لا سيما مع ارتفاع نسبة الإدمان التي تبلغ 3.1% من السكان، ومعاناة ربع المصريين من أعراض نفسية مختلفة.

كما وجهت الحملة نداءً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي للتدخل السريع لإنقاذ القطاع الذي يشهد "تراجعاً إدارياً وفنياً خطيراً" بسبب قرارات متكررة، آخرها تغيير تبعية الأمانة العامة للصحة النفسية. وأكدت أن الاهتمام بالصحة النفسية "ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية".

أهمية الاستثمار في الصحة النفسية وتداعيات الإهمال

وأكدت حملة "مصيرنا واحد" أهمية الاستثمار في الصحة النفسية، مشيرة إلى أن منظمة الصحة العالمية ودراسة أجرتها في 36 دولة (2016-2030) أظهرت أن كل دولار يُنفق على علاج الاضطرابات النفسية، يحقق عائداً اقتصادياً يساوي خمسة أضعافه، نتيجة تحسين إنتاجية القوى العاملة.

كما استعرضت الحملة تاريخ الإصلاح الإيجابي الذي بدأ بعد حادث الخانكة عام 1997 بصدور قرار رئيس الجمهورية رقم 331 لسنة 1997، تلاه إنشاء أمانة عامة وقانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009، قبل أن تعود الأوضاع للتدهور بقرارات "عشوائية". 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء