رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

البلوجرز ووهم الثراء السريع.. حياة الملوك الباب الخلفي للتهرب الضريبي وغسيل الأموال

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

مهنة لا مهنة له، طريق للثراء السريع، ولكن يبقى السؤال: ما الثمن؟ خاصة أن طبيعة العمل تتطلب بث فيديوهات لا قيمة لها، أو القيام بأفعال مبتذلة، تدمير الثوابت هو أحد أسس هذه الظاهرة، فيُحبَّذ أن تكون عاطلا تركت عملك لصناعة محتوى تافه، محققًا ثراءً يهدف إلى إظهار أن المهنة الحقيقية هي المال، ولا قيمة لعمل بدون ثراء، أو أن تكون طالبًا فاشلًا، تقوم قيمة فيديوهاتك على عدم نجاحك في الثانوية العامة، ومع ذلك تحصل على ملايين وشقق، لتدمر مبدأ "من جد وجد ومن زرع حصد"، كل هذا لن تجده إلا مع الأثرياء الجدد، وبالأخص البلوجرز، آفة العصر الحديث، ليبقى السؤال ما الهدف من انتشار هؤلاء؟ وهل هناك سبب خبيث للترويج لهم؟ وما الأضرار التي يسببونها في النسيج المجتمعي؟ ماذا عن الاقتصاد والأضرار الأمنية؟

"إيجيبتك" فتحت ملف البلوجرز للإجابة عن هذه الأسئلة، لعل هذه الكلمات تكون رادعًا ومصدر وعي ينقذ الأجيال من وحل البلوجرز.

في زمن التواصل الاجتماعي الذي تحول إلى منجم ذهب، برزت في مصر طبقة جديدة من "الأثرياء الفجائيين"، المعروفين بـ"البلوجرز" أو "صناع المحتوى". هؤلاء الشباب، الذين بدأوا رحلتهم من غرف نومهم البسيطة بهواتفهم الذكية، حققوا ملايين الجنيهات في سنوات قليلة، ليس من خلال إبداع يخدم المجتمع، بل من نشر محتوى يتجاوز حدود الأخلاق والقيم، مما أثار تساؤلات حول مصادر ثرواتهم الحقيقية. لكن هذا الثراء السريع ليس مجرد قصة نجاح؛ بل قصة تحذيرية تكشف عن طعنة في ظهر الوطن، حيث يُستغل الشباب كأداة لأجندات خارجية ضارة، تدمر القدوة الأسرية، وتفاقم المشاكل المالية في بلد يعاني من التضخم الاقتصادي والفقر المدقع.

بدأت قصة هؤلاء البلوجرز في أوائل العقد الماضي، مع انتشار تيك توك وإنستجرام كمنصات رئيسية للترفيه، في مصر، حيث يتجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 70 مليون نسمة، أصبحت الإعلانات والرعايات مصدر دخل هائل.

 وفقًا لتقارير، حقق بعض البلوجرز ملايين الدولارات من خلال فيديوهات قصيرة تُشاهد ملايين المرات، لكن السر لم يكن في الإبداع الفني، بل في المحتوى "الجريء" الذي يجذب الجمهور الشباب رقصات مثيرة، نصائح حياتية مشبوهة، وأحيانًا تلميحات سياسية تُشعل الفتنة.

 

سوزي الأردنية
سوزي الأردنية

ولعل سوزي الأردنية أبرز الأمثلة الفجة هذه الشابة الأردنية الأصل، التي هاجرت إلى مصر وأصبحت نجمة تيك توك، بدأت رحلتها كفتاة عادية في العشرينيات، أبرز ما حققته هو حصولها على مجموع ضعيف في الثانوية العامة، وقامت ببث فيديوهات حول هذه القضية. لكن الغريب أنها سرعان ما جمعت ملايين المتابعين، لتبدأ فصلًا جديدًا من الفيديوهات بعد حصولها على شهرة غير مفهومة، تروج خلالها لنمط حياة فاخر مليء بالسفر والتسوق. ووصلت  ثروتها المعلنة بنحو 15 مليون جنيه، متحصلة من "نشاطها الإعلامي". 

كما روجت لحياتها كـ"مليونيرة بنسبة 50%" في فيديوهاتها، حيث تظهر في فيلات على شواطئ شرم الشيخ، مرتدية مجوهرات أردنية أصلية تُقدر بمئات الآلاف. بعد القبض عليها، كشفت التحقيقات عن ممتلكاتها: شقة فاخرة في القاهرة الجديدة بقيمة 10 ملايين جنيه، آيفون 16 Pro Maxمرصع بالألماس، ساعات رولكس، ومبلغ 139,682 جنيه في محفظة "اتصالات كاش". كما تم التحفظ على أموال والديها، مما يشير إلى شبكة عائلية لغسيل الأموال. كل هذا لطالبة فاشلة في الثانوية العامة حققت مبالغ طائلة، لتكون هذه أولى الصدف التي تطرح تساؤلًا: ما الهدف من تحويل الفشل البيّن إلى نجاح؟

حياة الملوك

أما شاكر "محظور دلوقتي"، الذي كان يعمل ضابطًا سابقًا، فقد رأى أن المهنة السامية للدفاع عن المواطنين لن تحقق له ما يريد من أموال. فتحول من ضابط يحمي المواطنين إلى بلوجر يدمر القيم بفيديوهات تافهة، مبرزًا حياة ثراء غير مبرر من محتويات لا قيمة لها، وحقق رواجًا غير مسبوق، قائمة ممتلكاته أكثر إبهارًا وإثارة للغضب: 5 سيارات فارهة (منها بي إم دبليو X5ومرسيدس GLE)، 3 شقق في المهندسين والزمالك، وشركات وهمية للاستيراد والتصدير تُغطي على أرباح تيك توك غير المشروعة. في فيديوهاته، كان يتفاخر بـ"حياة الملوك"، مشجعًا الشباب على تقليده، بينما يخفي مصادر أمواله الحقيقية.

وهناك حمدي ووفاء (كابلز)، يُعتبران من أغنى "الكابلز" على السوشيال ميديا، حيث قُدرت أرباحهما السنوية بحوالي 4.5 مليون دولار، أي ما يزيد عن 200 مليون جنيه مصري، يمتلكان فيلا كبيرة في مصر تزيد قيمتها عن 20 مليون جنيه، وفيلا أخرى فاخرة في دبي، وثالثة في تركيا، بالإضافة إلى مطعم كبير في مصر الجديدة.

حمدي ووفاء
حمدي ووفاء

وإلى أم خالد، مثال آخر، تحولت من ربة منزل بسيطة إلى بلوجر شهيرة. تمتلك شقة راقية في منطقة مرموقة، وسيارة يُقال إن سعرها يصل إلى 10 ملايين جنيه، فضلاً عن حملاتها الإعلانية المتكررة في دول الخليج.

ام خالد
ام خالد

من هنا تكمن الخطورة، فالشهرة والثراء الهائلان المرتبطان بتقديم محتوى "خادش" أو "سطحي" أو يعتمد على الإثارة الرخيصة، يمثلان خطرًا كبيرًا على البنية المجتمعية. المراهقون والشباب، الذين يرون أن النجاح يكمن في تقليد هذا المحتوى بدلاً من الدراسة والاجتهاد والعمل المنتج، يفقدون مفهوم القدوة الإيجابية. هذا التحول في مقاييس النجاح يهدد بتدمير القيم الأسرية والاجتماعية القائمة على الاحترام والعمل الجاد والنزاهة. ناهيك عن أن هذا الانتشار يحمل في طياته مخاوف من أن يكون وسيلة لتحقيق أغراض وأجندات سياسية مضرة بالوطن. يمكن أن يتم توظيف بعض صانعي المحتوى المشهورين، سواء بعلمهم أو دون علمهم، لنشر أفكار مسمومة أو الدعوة إلى الفوضى الأخلاقية والاجتماعية، بهدف زعزعة الاستقرار وتشتيت انتباه الرأي العام عن قضايا التنمية والبناء، مما يجعلهم أداة طيعة في أيدي قوى تسعى لتقويض الأمن القومي والقيم الوطنية.

ظاهرة "أثرياء السوشيال ميديا" في مصر تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمجتمع على التكيف مع الثورة الرقمية. الأمر يتطلب ليس فقط الملاحقة القانونية للتهرب الضريبي والمحتوى المخالف، كما حدث مع سوزي الأردنية وغيرها، ولكن أيضًا وضع إطار تنظيمي واضح لصناعة المحتوى الرقمي، وتعزيز الوعي بقيمة المحتوى الهادف والمثمر، وإعادة ترسيخ مفهوم النجاح القائم على العمل والإضافة الحقيقية للمجتمع، بدلاً من ملاحقة "الترند"، لحماية الأجيال القادمة من كابوس البلوجرز، المتهم الرئيسي في تدمير الهوية والقيم والاقتصاد، والذين إن استمروا قد يتسببون في أضرار أمنية لا حصر لها.

اللواء فاروق المقرحي مساعد وزير الداخلية الأسبق: ظاهرة شيطانية  وتستهدف تشويه المهن السامية 

 

يؤكد  اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن ظاهرة "البلوجرز" باتت تمثل تهديدًا حقيقيًا للأمن الاجتماعي والاقتصادي، واصفًا إياها بأنها "ظاهرة شيطانية المنشأ" لا تمت بصلة لقيم المجتمع المصري، بل إنها مستوردة من نماذج منحرفة في الخارج. ويضيف أن بعض من يطلقون على أنفسهم "مؤثرين" على مواقع التواصل، تجاوزوا حدود المحتوى الهادف، واتجهوا إلى تقديم مواد خادشة للحياء بهدف تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، مما فتح الباب أمام شبهات غسل الأموال بالتعاون مع شركات خارجية. هذه الشركات تقوم بتحويل الأموال غير المشروعة إلى أموال تبدو قانونية عبر اتفاقات مشبوهة مع هؤلاء الأشخاص، الذين يحصلون على نسب مقابل الترويج لمحتوى منحط لا يليق بالمصريين.

اللواء فاروق المقرحي
اللواء فاروق المقرحي

ويصف المقرحي ظاهرة البلوجرز بأنها مثل "الطفح الجلدي" الذي طغى على المجتمع بأسوأ ما فيه، ولها تأثيرات أخلاقية واجتماعية واقتصادية وأمنية. إنها تزرع اللامبالاة لدى الشباب، وتعتمد على الفهلوة بدلاً من العمل الشريف، مما يدمر الهوية الاجتماعية ويلغي الطموح بالعمل الجاد لتحقيق شيء شرعي ومعتدل. 

ويشير إلى أن وزارة الداخلية تتعامل مع هذه الظاهرة بحزم غير مسبوق، وتخوض عملية "فلترة" شاملة لتنظيف هذا الوسط الذي استقطب فئات غير مؤهلة مهنيًا، مؤكدًا أن هناك تحقيقات جارية مع عدد من المتورطين، وقد أدلوا باعترافات خطيرة، ومن المتوقع أن تُعلن الوزارة عنها فور صدور الأحكام ومصادرة الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة.

ويشدد على أن التأثيرات السلبية لهذه الظاهرة متعددة، تبدأ من تدمير الهوية الاجتماعية عبر نشر ثقافة الاستسهال والثراء السريع، مرورًا بإضعاف الطموح القائم على العمل الشريف، وصولًا إلى تهديد الأمن القومي، خاصة أن بعض المحتويات تُستخدم كأدوات ترويج لأجندات خارجية تستهدف تفكيك القيم المهنية والمؤسسية في المجتمع. 

ويختتم المقرحي حديثه بالتأكيد على أن التصدي لهذه الظاهرة هو "مهمة قومية" تستوجب دعمًا مجتمعيًا ومؤسسيًا، خاصة أن ما يحدث ليس عشوائيًا، بل خطوات مدروسة لتشويه المهن السامية مثل التعليم والشرطة، داعيًا إلى وقفة حاسمة لحماية المجتمع من هذا الانحدار القيمي.

السوق السوداء

الدكتور مصطفى بدرة الخبير الاقتصادي أكد أن البلوجرز يمثلون تهديدًا مباشرًا للسياسات المالية والنقدية للدولة فظاهرة "الأثرياء الجدد" من البلوجرز والفود بلوجرز، الذين يحققون ثراءً فاحشًا دون أي رقابة من الدولة، تعد "بابًا خلفيًا لغسيل الأموال والتهرب الضريبي" يهدد الاقتصاد المصري. فهم يحصلون على إيرادات هائلة من إعلانات جوجل وغيرها بالعملة الأجنبية الصعبة، وهي موارد كبيرة تدخل البلاد دون أن تدخل خزانة الدولة المصرية، إذ لا يدفعون أي ضرائب عليها، مما يعني خسائر اقتصادية بالجملة.

. مصطفى بدرة
. مصطفى بدرة

الدكتور مصطفى بدرة:  البلوجرز أبواب خلفية للتهرب الضريبي

 

وأوضح الخبير الاقتصادي أن الجانب الأخطر هو غياب الرقابة على المحتوى الإعلامي الذي يبثونه. فكثير منهم يدس السم في العسل، فيطلقون إشاعات أو أخبارًا غير مؤكدة قد تكون بنية سليمة أو غير سليمة، مما يؤدي إلى بلبلة في الأسواق. على سبيل المثال، إذا أطلق بلوجر إشاعة عن ارتفاع عملة أجنبية أو انخفاض سعر الذهب، يحدث تأثير كبير على الوضع الاقتصادي. ويشير إلى أن هذه الظاهرة قد تكون مرتبطة بمؤامرات خارجية، حيث يمكن لشركات أو مؤسسات أجنبية الاتفاق مع بلوجر ليبث محتوى معينًا مقابل تحويل أموال، وقد تكون هذه الأموال غير شرعية أو تُستخدم في غسيل الأموال، مما يضر بالسياسة المالية والنقدية، وربما يتم تداولها في السوق السوداء.

وشدد الدكتور بدرة على ضرورة وضع إطار تشريعي عاجل لتنظيم هؤلاء، قائلاً: "لابد من كيان نقابي أو اجتماعي ينظم عملهم الاقتصادي، مثل نقابة الإعلاميين أو الصحفيين، ليتم محاسبتهم ماليًا وضريبيًا. كيف نحاسب شخصًا يحصل على ملايين من إعلانات دون أن نعرف مصادرها؟ هل يعقل أن يجلس بلوجر ربع ساعة أمام هاتفه ويحصل على مليون جنيه؟ يجب أن تكون هناك قوانين تحدد أرباحهم وتخصم الضرائب، كما في أي نشاط تجاري آخر مثل أوبر أو ديدي". وأكد أن غياب الرؤية والقوانين هو السبب الرئيسي في انتشار هذه الظاهرة، مضيفًا: "نحتاج إلى رؤية استباقية لمستقبل الأجيال، تشمل قوانين للمخترعين والمبتكرين، لكن دون ترك أبواب خلفية للإضرار بالاقتصاد أو التهرب الضريبي".

ويحذر الخبير الاقتصادي من مخاطر الإعلانات غير المنظمة التي يروجونها، خاصة للمنتجات الغذائية وغيرها، قائلاً: "الفود بلوجرز يعلنون عن مطاعم أو منتجات مقابل مبالغ هائلة دون أي رقابة، وقد تكون هذه المنتجات غير مطابقة للمواصفات أو ضارة، بخلاف الإعلانات التلفزيونية التي تحصل على موافقات من وزارة الصحة. هذا يضر بسمعة المنتجات المصرية ويسبب كارثة اقتصادية، بالإضافة إلى أضرار ثقافية واجتماعية ومعنوية، حيث يحققون ثراءً بدون مجهود حقيقي ودون رقابة على فحوى حديثهم".

ويختتم الدكتور مصطفى بدرة حديثه بدعوة إلى تعاون بين الجهات المعنية، قائلاً: "يجب أن يكون هناك توافق بين وزارة الاتصالات ومجلس النواب ووزارة المالية لوضع سياسات تحكم هؤلاء البلوجرز، مع عقوبات حاسمة لمن يخالف، لمنع الأضرار الاقتصادية والاجتماعية. ويجب التفرقة بين الشخصيات العامة المحترمة والذين يسعون للثراء على حساب الآخرين من خلال إعلانات غير منظمة". وأعرب عن تفاؤله بأن الدولة بدأت في التحقيق مع بعضهم، مؤكدًا أن العقاب يجب أن يكون ماديًا لاسترداد الضرائب المستحقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء