الولايات المتحدة تُشدد إجراءاتها ضد النشاط الإيراني في السودان
واشنطن تواجه الحرس الثوري الإيراني في السودان بالعقوبات الأمريكية
ألقت واشنطن بفرض العقوبات الأمريكية الأخيرة على وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم، وعلى ميليشيا "كتيبة البراء بن مالك"، الضوء مجددًا على النفوذ الإيراني المتزايد في السودان، والعلاقات المتنامية بين طهران وعدد من الشخصيات والجماعات الإسلامية في البلاد.
وبحسب ما نقله موقع “نيتسف” الإسرائيلي، أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أن الغاية من هذه العقوبات هي الحد من نفوذ التيار الإسلامي داخل السودان، ومنع توسع الأنشطة الإيرانية التي تُسهم، وفقًا للولايات المتحدة، في زعزعة استقرار الدولة السودانية والمنطقة بأسرها.
واشنطن تواجه الحرس الثوري الإيراني في السودان
كان جبريل إبراهيم، زعيم حركة العدل والمساواة، قد زار طهران في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حيث اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في مجالات متعددة.
وتُعد هذه الزيارة نقطة تحول في العلاقات بين البلدين، إذ جاءت بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وطهران في عام 2024، عقب قطيعة استمرت قرابة ثماني سنوات على خلفية حادثة اقتحام السفارة السعودية في طهران.

ومع استئناف العلاقات، فتحت الأبواب أمام حضور إيراني متزايد داخل الساحة السودانية، خاصة عبر قنوات اتصال مع قوى سياسية وتنظيمات إسلامية مسلحة، أبرزها لواء البراء بن مالك، الذي عاد للظهور في عام 2023 كمكوّن عسكري مؤثر يقاتل إلى جانب الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع.
وتُعد هذه الجماعة جزءًا من التيار الإخواني في السودان، وتستقطب أعدادًا كبيرة من الشباب المنتمين إلى المنظمات الطلابية الإسلامية.
"وجود عسكري إيراني فعلي في السودان"
قال كاميرون هدسون، الباحث في برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن "المعلومات التي وردت في العقوبات الأمريكية تشير إلى وجود فعلي لعناصر من الحرس الثوري الإيراني على الأراضي السودانية، يقدمون التدريب لعناصر من القوات المسلحة السودانية".
وأضاف هدسون: "ما تقوله السلطات السودانية عن أن النفوذ الإيراني محدود وأنها لا تعتمد على إيران في التسليح لا يعكس الواقع الميداني".
فمع اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عام 2023، وجد الجيش نفسه بحاجة ماسة إلى مصادر تسليح جديدة، ما دفعه إلى الاعتماد على إيران لتأمين بعض احتياجاته العسكرية.
وذكرت عدة تقارير أن طائرة إيرانية هبطت في بورتسودان يوم 17 مارس 2025، محمّلة بطائرات هجومية مسيّرة من طراز مهاجر-6 وأبابيل-3، إضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات، قبل أن تعود إلى طهران في اليوم نفسه.
البراء بن مالك جبريل إبراهيم والإخوان المسلمون
تُبرر واشنطن فرض العقوبات على جبريل إبراهيم ولواء البراء بن مالك بأنهما متورطان في تقديم دعم عسكري مباشر للجيش السوداني بتمويل مرتبط بإيران.
وتشير تقارير صحفية إلى أن اللواء، الذي يضم نحو 20 ألف مقاتل، يتكوّن أساسًا من عناصر قوات الدفاع الشعبي السابقة، التي شكّلتها الحركة الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي لدعم الجيش ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب.
وقاد اللواء في السنوات الأخيرة مصباح أبو زيد طلحة، وبقي بعيدًا عن الأضواء إلى أن اندلع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. ويُعد اللواء اليوم أحد أبرز التشكيلات الإسلامية المسلحة في السودان، ويحظى بدعم عسكري إيراني، وفقًا لتقارير استخباراتية.
واتُهم اللواء بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الإعدامات خارج نطاق القضاء، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، خاصة في المناطق التي شهدت معارك ضد قوات الدعم السريع.
أما جبريل إبراهيم، الذي يترأس حركة العدل والمساواة، فيُعرف بعلاقاته الوثيقة بالتيارات الإسلامية وبعدد من قادة جماعة الإخوان المسلمين في السودان، من بينهم الراحل حسن الترابي.
وتُعد الحركة أحد أبرز التنظيمات المسلحة في إقليم دارفور، ولها سجل طويل في النزاعات المسلحة.
وخلال الحرب الأخيرة، نشرت الحركة آلاف المقاتلين لدعم الجيش السوداني، وواجهت اتهامات بارتكاب أعمال قتل وتشريد بحق المدنيين. ورغم ذلك، نفت الحركة أي صلة أيديولوجية أو أجنبية لها، ووصفت زيارة إبراهيم إلى طهران بأنها "عمل رسمي مشروع ضمن مهامه كوزير مالية".
لكن الباحث كاميرون هدسون يرى أن إدراج اسم وزير المالية ضمن قائمة العقوبات الأمريكية يشكّل تحذيرًا مباشرًا للحكومة السودانية.
وقال: "جبريل ذهب إلى إيران بحثًا عن تمويل للحكومة، وهناك مؤشرات على أن الإيرانيين يبيعون أسلحة للجيش السوداني. لذلك، تعتبر هذه العقوبات رسالة واضحة: أي محاولة لتأسيس علاقة رسمية مع طهران ستُقابل بعواقب فورية".

تداعيات العقوبات الأمريكية
ورغم الضجة التي أثارتها العقوبات، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستنجح في تقويض العلاقة المتنامية بين إيران والسودان، أو بين طهران وبعض القوى الإسلامية داخل البلاد.
ويرى المحلل العسكري عامر حسن عباس أن هذه العقوبات لن تُحدث تغييرًا جوهريًا، لأن العقوبات الفردية "لا تُضيف الكثير إلى العقوبات الشاملة المفروضة على السودان"، معتبرًا أن التعاون الإيراني مع الخرطوم "يظل محدودًا على المستوى السياسي، دون وجود قواعد أو بعثات تدريب عسكرية إيرانية دائمة".
لكن واشنطن ترى الأمور بصورة مختلفة، إذ تعتبر أن التعاون العسكري بين طهران والخرطوم يُشكّل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة البحر الأحمر، ويمنح إيران موطئ قدم استراتيجيًا جديدًا في القارة الأفريقية.
وفي المقابل، أكدت الحكومة السودانية أن العقوبات الأمريكية لن تؤثر في سياساتها أو علاقاتها الخارجية، مشيرة إلى أن التعامل مع دول العالم "حق سيادي لا يخضع للإملاءات"، وأن علاقاتها مع طهران "لا تنطلق من تبعية سياسية أو عسكرية".
ومع غياب مؤشرات على تغيير جوهري في الموقف السوداني، ومع استمرار التواصل بين طهران وعدد من القوى السياسية والمسلحة في البلاد، يبدو أن أبواب السودان لا تزال مفتوحة أمام النفوذ الأجنبي — الإيراني على وجه الخصوص — حتى إشعار آخر.

