من «البالة إلى البرندات».. رحلة البحث عن الأناقة والمظاهر
تجارة عابرة للحدود.. كيف تدخل أطنان الملابس المستعملة إلى مصر؟
اوليد جاب الله: البالة توفر فرص عمل لكنها تضرب صناعة النسيج المحلية
سوسن فايد: المظهر أصبح لغة.. والناس تتحدث بالأزياء أكثر من الكلمات
استطلاع رأي “إيجبتك”: 60% من الشباب يشترون من البالة بانتظام
من النزهة الجديدة.. مدام ميرا تحوّل “الكونترنال” إلى مشروع للبراندات الأصلية
في أحد أزقة وسط البلد، تمتد صفوف من المحال الصغيرة المكدسة بالملابس المستعملة، تتدلى منها قمصان “زارا” وفساتين “H&M”، وحقائب “Guess” بألوانٍ بهت بريقها قليلًا وهنا لا يهم إن كانت القطعة جديدة أو قديمة، المهم أنها تحمل توقيع ماركة عالمية بالرغم من إنها “البالة” السوق الذي بات ينافس محلات “البرندات” في قلب القاهرة و لكن خلف هذه الظاهرة المتناقضة، بين من يفتش عن قميص مستعمل بسعرٍ بخس ومن يتباهى بتيشيرت يحمل شعار “نايكي”، تختبئ قصة مجتمعٍ يحاول التوفيق بين الواقع الاقتصادي والرغبة في المظهر الراقي.
مشهد أول: بين رفوف البالة
في سوق “وكالة البلح”، كانت “سماح منير ”، طالبة جامعية، تتجول بين الأكوام تبحث عن جاكيت شتوي “ستايل” بسعر معقول وتقول بابتسامة “مش لازم أشتري من المول عشان أكون شيك، هنا ممكن ألاقي برند أصلي بسعر ربع الثمن و أكدت سماح أنه ليست وحدها فـ”البالة”، التي كانت لسنوات ملاذًا محدود الدخل فقط، أصبحت اليوم وجهة لطبقاتٍ مختلفة، خصوصًا الشباب الذين يريدون التميز دون إنفاق مبالغ طائلة.
ويشير بائع يُدعى “ أبوفرج ” إلى رصيفه قائلاً: “زمان كان اللي ييجي هنا بيستخبى، دلوقتي البنات بتصور لايف على إنستجرام وهم بيشتروا من البالة!” و تغيرت الصورة الاجتماعية، لكن الدوافع الاقتصادية ظلت المحرك الأساسي.

الملابس المستعملة.. تجارة عابرة للحدود
وفقًا لبيانات وزارة التجارة والصناعة، تدخل مصر سنويًا آلاف الأطنان من الملابس المستعملة القادمة من أوروبا وأمريكا، وغالبًا ما تُفرز وتُعاد تغليفها في مراكز خاصة بالإسكندرية أو بورسعيد قبل توزيعها في الأسواق الشعبية و يقول الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أن سوق البالة يوفر وظائف لآلاف العاملين في النقل والفرز والبيع، لكنّه أيضًا يشكل تحديًا لصناعة النسيج المحلية، لأنه يقدم بديلاً أرخص للمستهلك.
ويضيف جاب الله أن الملابس المستعملة تُدخل ملايين الجنيهات سنويًا في الاقتصاد الموازي، لكنها غير خاضعة للرقابة الكاملة، ما يخلق فجوة بين السوق الرسمي وغير الرسمي.
من محدود الدخل إلى الموضة: تحوّل في الثقافة الاستهلاكية
لم تعد “البالة” مجرد وسيلة لتوفير المال بل أصبحت موضة في حد ذاتها. ففكرة ارتداء قطع “فريدة” vintage أو “برندات أصلية مستعملة” أصبحت جزءًا من ثقافة الموضة المستدامة التي يتبناها كثير من الشباب حول العالم.
تقول الدكتورة سوسن فايد أستاذ علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية و الجنائية جيل جديد من الشباب المصري أصبح يربط بين البالة والاستدامة، وليس فقط محدود الدخل هو يريد أن يعبّر عن نفسه بطريقة مختلفة، وأحيانًا يجد في القطع القديمة أناقة لا توفرها الماركات الجديدة.
وبالفعل، ظهرت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تروّج لفكرة “ثريفت شوب” – أي المتجر المستعمل – وتعرض القطع بتصوير احترافي وسرد قصص خلفها، لتتحول إلى رمز للذوق والوعي البيئي.

البرندات… ساحة التباهي الاجتماعي
في المقابل، يقف عالم “البرندات” على النقيض تمامًا وداخل أحد المولات الراقية بالقاهرة الجديدة، تصطف واجهات المحلات اللامعة التي تحمل أسماء مثل “مايكل كورس” و”كالفن كلاين”، وتستقبل زبائن يبحثون عن هوية اجتماعية بقدر ما يبحثون عن مظهر جميل تقول “هايدي ” – موظفة في أحدا البنوك في أواخر العشرينات – وهي تتفقد حقيبة يد باهظة الثمنأنه مش مجرد شنطة، دي استثمار في شكلي ومكاني الاجتماعي. الناس بتحكم علينا من اللبس".
اقتصاد الموضة في مصر.. أرقام ومفارقات
و أكد الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أن إنفاق المصريين على الملابس سنويًا يتجاوز 90 مليار جنيه، بينها نسبة متزايدة توجه نحو المنتجات المستوردة والبرندات العالمية، رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة و في المقابل، ينمو سوق الملابس المستعملة بنسبة تتجاوز 20% سنويًا، وفق تقديرات تجار وموردين، مدفوعًا بارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية.

ويقول الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أن البالة أصبحت متنفسًا اقتصاديًا للمواطن، بينما تمثل البرندات وسيلة للوجاهة الاجتماعية، وبينهما يعيش سوق الأزياء المصري في مفارقة واضحة الفقر والترف في شارع واحد.
البعد القانوني.. أين يقف التنظيم؟
وأضاف وليد جاب الله أن استيراد الملابس المستعملة يخضع لضوابط صحية صارمة، ويتم السماح به فقط في حالات محددة مثل الملابس القطنية أو الأقمشة القابلة لإعادة التدوير، بينما يمنع استيراد الملابس الجاهزة غير المعقمة.
البالة والبرندات.. وجهان لعملة واحدة؟
عند النظر بعمق، لا تبدو المسافة بعيدة بين من يشتري قطعة بـ50 جنيهًا في وكالة البلح، ومن يدفع آلافًا في مول راقٍ. فكلاهما يحاول إثبات ذاته عبر مظهره الخارجي في ظل مجتمعٍ يُولي للمظهر أهمية تفوق الجوهر أحيانًا و تقول سوسن فايد أستاذ علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية و الجنائية كلا الاتجاهين – البالة والبرندات – يعكسان اضطرابًا في منظومة القيم الاستهلاكية فالأول نتاج الحاجة، والثاني نتاج المقارنة الطبقية وتضيف سوسن فايد “في النهاية، كلاهما يحركه الشعور ذاته في الرغبة في الانتماء إلى فئة معينة أو الظهور بشكل لائق أمام المجتمع.

الشارع يقول كلمته لموقع"إجيبتك"
و علي جانب آخر قام محرر موقع " إيجبتك" في استطلاع أجريناه مع مجموعة من الشباب في القاهرة.. 60% قالوا إنهم يشترون من البالة بانتظام و 25% قالوا إنهم يفضلون البرندات الأصلية و 15% يجمعون بين الاثنين “بحسب المناسبة والميزانية”.
ويقول الطالب الجامعي عمر فتحي أنا ممكن ألبس قميص من البالة وجزمة من برند، المهم يكون شكلي كويس و الناس مش هتسأل جايبها منين.”
الموضة بين الوعي والاستهلاك
في زمن تتداخل فيه الطبقات الاجتماعية وتتبدل المفاهيم، لم يعد الفرق بين “البالة” و”البرند” مجرد فارق في السعر بل أصبح رمزًا لوعيٍ جديد بالموضة والاقتصاد والهوية من جهة، هناك من يرى في الملابس المستعملة طريقًا نحو الاستدامة والتفرد، ومن جهة أخرى، هناك من يعتبر الماركات الفاخرة وسيلة للتعبير عن النجاح والمكانة و لكن الحقيقة التي تجمعهما، كما تقول سوسن فايد أستاذ علم النفس هي أن اللبس لم يعد مجرد حاجة، بل لغة والناس اليوم تتحدث بالأزياء أكثر مما تتحدث بالكلمات.
مدام ميرا من النزهة الجديدة: بدأت من البسيط.. ووصلت لشغل البراندات العالمي
انتقل محرر موقع "إيجبتك"إلى أحد شوارع النزهة الجديدة الهادئة، التي لا توحي بحركة تجارية لافتة، انطلقت قصة نجاح سيدة مصرية استطاعت أن تصنع لنفسها اسمًا لامعًا في عالم الملابس والبراندات الأصلية إنها مدام ميرا، التي بدأت رحلتها عام 2012 بخطوات متواضعة، قبل أن تتحول إلى صاحبة مشروع ناجح يحمل طابعًا خاصًا في بيع الكونترنال والملابس المستوردة من الماركات العالمية.

تتذكر ميرا بدايتها قائلة “كانت البداية بسيطة جدًا، كنت ببيع قطع قليلة.. دلوقتي بنستورد الشغل كله عن طريق الكونترنال، وبنبيع براندات عالمية بالتكت الأصلي.”
توضح أن ما يميز منتجاتها هو أنها قطع أصلية من ماركات عالمية شهيرة، تُباع في المحلات الكبرى بأسعار قد تصل إلى 6 آلاف جنيه، لكنها تقدمها لعملائها بأسعار تتراوح بين 500 و600 جنيه فقط، بسبب وجود عيوب بسيطة جدًا مثل زرار ناقص أو فك خياطة طفيف، وهي الأسباب التي تجعلها تدخل ضمن شحنات الكونترنال.
وتقول بثقة “الجودة عالية، والبراندات أصلية، وكمان بالتكت بتاعها الناس بتيجي لي من كل المحافظات، رغم إني في النزهة الجديدة، لأنهم عارفين إن الشغل نظيف وسعره مش هيتكرر وتُشير إلى أن التسويق الإلكتروني كان له دور كبير في انتشار اسمها، حيث اعتمدت منذ البداية على البيع عبر الإنترنت و بدأت أبيع على النت، وكان شعارنا من الأول نبيع كتير ونكسب بسيط.. وده اللي فرقنا عن غيرنا وتختم حديثها برسالة تحمل خلاصة تجربتها النجاح محتاج صبر، ومفيش حاجة بتيجي في يوم وليلة، لكن لما يكون في إصرار وشغل نظيف، النجاح بييجي لوحده بهذه الروح، استطاعت مدام ميرا أن تحول حلمًا بسيطًا إلى علامة مميزة في عالم البراندات الأصلية، لتثبت أن النجاح لا يحتاج إلا إلى شغف، ومثابرة، وثقة في ما تقدمه
تجارة بالجُملة وبفكر مختلف
“بنت الليثي” لا تبيع بالتجزئة، بل تعمل في الجُملة والجمالة، حيث تبدأ أقل كمية بيع من 50 كيلو ملابس، وتتعامل مع تجار الجملة والموزعين وأصحاب المحال في مختلف المحافظات و تقول بثقة البراندات اللي بتتباع في التوكيلات بـ6 أو 7 آلاف جنيه، أنا بجيب نفس الشغل من بلجيكا وأستراليا وببيعه بـ300 جنيه بس. كل القطع أصلية وخاماتها ممتازة.”

استيراد من أوروبا.. وضمان للجودة
تؤكد “بنت الليثي” أنها لا تتعامل في أي منتجات “كوبي” أو مقلّدة، مشيرة إلى أن مصدر بضائعها أوروبي بالكامل، وتحديدًا من بلجيكا وأستراليا وتوضح كل قطعة عندي لها أصل وشهادة، أنا بختار الخامات بعناية، وبشتري من أماكن موثوقة أهم حاجة عندي إن الزبون ياخد حاجة خامتها محترمة وسعرها مناسب.”
فلسفة خاصة في الأناقة
ورغم أن عملها في الأساس تجاري، فإن “بنت الليثي” تنظر إلى الموضة بمنظور إنساني واجتماعي، معتبرة أن اللبس ليس رفاهية، بل ضرورة تبعث الثقة في النفس.
تقول بابتسامة واثقة “أنا بحب الناس تلبس وتشوف نفسها حلوة، سواء معاها فلوس كتير أو قليلة. اللبس مش رفاهية.. اللبس ثقة وشخصية.”
دعم محلي وفكر استثماري نسائي
تُعد “بنت الليثي” نموذجًا مشرفًا للمرأة المصرية العاملة، التي اقتحمت مجال التجارة بجرأة، وأثبتت أن النجاح لا يفرق بين رجل وامرأة، طالما وُجد الإصرار والرؤية وذلك بمشروعها، ساهمت في تحريك سوق الملابس المستعملة والمستوردة، وخلقت فرص عمل غير مباشرة لعدد من التجار والعمال في المحافظات المختلفة وفي ظل ارتفاع الأسعار وتزايد الطلب على الموضة بأسعار مناسبة، تبقى تجربة “بنت الليثي” مثالًا حيًا على ريادة الأعمال النسائية التي تمزج بين الحس التجاري والوعي الاجتماعي، لتؤكد أن الأناقة لم تعد حكرًا على الأغنياء، بل أصبحت متاحة للجميع.