ستة وخمسون عامًا مرت على رحيل جمال عبد الناصر، ولا تزال تجربته محل جدل، بين من يراها مشروعًا وطنيًا كبيرًا، ومن يراها تجربة حملت أخطاء سياسية واقتصادية ثقيلة. لكن استدعاء عبد الناصر اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين التقديس والرفض؛ فالتاريخ لا يُقرأ بالحنين وحده، ولا بالإدانة وحدها. الأهم أن نفهم زمنه، وأن نعرف ما الذي تغيّر، وما الذي بقي.
الواقع يقول إن عبد الناصر قاد مصر منذ منتصف الخمسينيات حتى وفاته عام 1970، وخلال تلك الفترة شهدت البلاد تحولات كبرى، من تأميم قناة السويس، والإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، والتصنيع، وبناء السد العالي، إلى دعم حركات التحرر العربية والإفريقية.
وفي المقابل، شهدت التجربة قيودًا سياسية واختلالات اقتصادية، وانتهت بهزيمة يونيو 1967، التي كشفت أن امتلاك عناصر القوة لا يغني عن مؤسسات قادرة على التقييم والمراجعة وتصحيح الأخطاء.
الحقيقة أن القومية العربية كانت شعارًا رئيسيًا في مشروع عبد الناصر. لكن تجربة الوحدة مع سوريا كشفت أن وحدة الشعوب والثقافة والتاريخ لا تكفي وحدها لبناء كيان سياسي مستدام. فالوحدة تحتاج إلى مؤسسات، ومصالح اقتصادية متشابكة، وقواعد واضحة لإدارة الخلاف، وتوازن بين السيادة الوطنية والعمل المشترك. ولهذا فإن درس القومية العربية اليوم لا ينبغي أن يكون في استعادة الشعارات، وإنما في البحث عن أدوات عملية للتعاون والتكامل.
أدرك عبد الناصر مبكرًا أن إفريقيا ليست ملفًا خارجيًا بالنسبة إلى مصر، وإنما جزء من أمنها القومي. لذلك ارتبط عهده بدعم حركات التحرر الإفريقية، وكان من القادة المشاركين في المسار الذي انتهى إلى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا عام 1963.
لكن السؤال الذي تفرضه التجربة لماذا كانت مصر حاضرة بقوة في إفريقيا؟ ولماذا تراجع هذا الحضور في مراحل لاحقة؟
الإجابة لا تتعلق بالأشخاص وحدهم، وإنما بطبيعة الدور نفسه. النفوذ الذي لا يتحول إلى مصالح اقتصادية واستثمارات وتجارة وتعليم وتعاون علمي وأمني، يظل قابلًا للتراجع. والجغرافيا لا تتغير، لكن الفراغ السياسي يمكن أن تملأه قوى أخرى.
ومن هنا تأتي أهمية الحضور المصري في إفريقيا اليوم، خصوصًا في الملفات التي تتصل بأمن البحر الأحمر والملاحة والمياه والتجارة والمصالح الاستراتيجية. فإفريقيا بالنسبة إلى مصر ليست عمقًا جغرافيًا فحسب، بل جزء من معادلة الأمن القومي.
التاريخ يقول إن فترة عبد الناصر كانت حبلى بالحروب والصراعات التي فرضتها ظروف ذلك الزمن، من العدوان الثلاثي إلى حرب اليمن، ثم حرب يونيو 1967. لكن المقارنة مع الحاضر تكشف تحولًا جوهريًا في أن أدوات الصراع تغيرت.
في الخمسينيات والستينيات كان الجيش والسلاح والموقع والسيطرة على الموارد من أهم عناصر القوة. أما اليوم، فلم يعد الأمن القومي منفصلًا عن الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والطاقة والغذاء والمياه والبحث العلمي وسلاسل الإمداد والمعلومات.
والسؤال لم يعد فقط هل تملك الدولة قوة عسكرية؟ وإنما هل تملك قاعدة اقتصادية ومعرفية تستطيع إسناد هذه القوة؟
ومن هنا يمكن فهم جانب من أهمية تجنب الانخراط في صراعات طويلة تستنزف الموارد.
فقد دفعت مصر في مراحل سابقة تكلفة اقتصادية وبشرية كبيرة نتيجة اتساع نطاق المواجهات، وأصبح الحفاظ على الموارد وإدارة الأزمات بأدوات متعددة جزءًا أساسيًا من حسابات الدولة الحديثة.
ولم تعد المواجهة في عالم اليوم عسكرية فقط؛ بل أصبحت حروبًا مختلفة، مثل حروب الجيل الرابع، وبث الشائعات، وحرب المعلومات، والتأثير في الرأي العام، والضغوط الاقتصادية، والهجمات السيبرانية، والتأثير الإعلامي، وكلها أصبحت مكونات في بيئة الصراع الدولي والإقليمي.
الحقيقة ،إذا كانت معركة الستينيات قد دارت حول الاستقلال والسيادة وامتلاك القرار الوطني، فإن معركة اليوم تدور حول امتلاك الأدوات التي تجعل هذا القرار قابلًا للحماية والاستمرار.
فالاستقلال السياسي يحتاج إلى اقتصاد قوي، والاقتصاد يحتاج إلى إنتاج، والإنتاج يحتاج إلى معرفة، والمعرفة تحتاج إلى تعليم وبحث علمي، وكل ذلك يحتاج إلى مؤسسات قادرة على التخطيط والقياس والمراجعة وتصحيح الأخطاء.
وهنا لا يمكن تجاوز أحد أهم جوانب تجربة عبد الناصر وهي التعددية السياسية.
فإغلاق المجال العام وتقييد المشاركة السياسية كانا من أبرز إشكاليات تلك المرحلة، وأثرا في طبيعة الحياة السياسية المصرية. ولذلك فإن بناء دولة قوية في الحاضر لا يتعارض مع توسيع المجال العام؛ بل إن وجود مساحات للحوار والمشاركة والنقد المنظم يمكن أن يساعد على كشف الأخطاء مبكرًا، ويمنح المجتمع قدرة أكبر على تحمل الأزمات والمشاركة في مواجهتها.
ويبقى السؤال، ماذا بقي من عبد الناصر؟
رحل عبد الناصر، وظلت المكانة. لكن المكانة ليست ميراثًا تاريخيًا، ولا يمكن أن تحمي الدولة بمجرد استدعاء الماضي.
إذا كانت معركة جيل الستينيات دارت حول الاستقلال والسيادة والتصنيع، فإن معركة جيل اليوم أقوى، وتدور حول الإنتاج والتكنولوجيا والمياه والطاقة والمعرفة وحماية المصالح الوطنية في عالم شديد التنافس.
ولهذا فإن أهم ما يمكن أن يبقى من عبد الناصر ليس صورته ولا خطبه، وإنما الأسئلة التي تركتها تجربته مفتوحة، ومنها كيف تحمي مصر قرارها؟ وكيف تتحول من امتلاك عناصر القوة إلى القدرة على إنتاجها وتجديدها؟
الإجابة لن تكون بالشعارات، ولن تكون باستنساخ سياسات الستينيات، وإنما ببناء دولة حديثة تمتلك اقتصادًا منتجًا، ومعرفة متقدمة، ومؤسسات تراجع قراراتها، ومجتمعًا قادرًا على المشاركة، وجيشًا قويًا يسنده اقتصاد قوي.