الاخوان والثأر الذي لا يمحوه الا الدم..من دفتر محاوراتي مع الحرس القديم للإخوان ..
عندنا سجلت رسالتي للماجستير في التاريخ المعاصر عام ١٩٨٠ بعنوان :الحركة السياسية في مصر ١٩٥٢/ ١٩٥٤ مع استاذي المرحوم الدكتور عبد الخالق لاشين ،استاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس .
كان الحدث غير عادي ،كانت جرأة من الأستاذ والتلميذ ،كان السادات لايزال على قيد الحياة ،وكانت الحملة على جمال عبد الناصر، في اوجها ،ولعل هذا كان احد الاسباب التي دفعتني بعد حصولي على الليسانس الممتازة في التاريخ من اداب غين شمس ،أن افكر في هذا الموضوع .
اتذكر اثناء سنة التجنيد كانت تدور حوارات بيننا كمجندين ،حول ثورة يوليو وعبد الناصر وانجازاته ،وكنت انفعل ،عندنا ياتي احد زملاء المعسكر بجريدة فيها مقال يهاجم عبد الناصر ،وكان نقدي وهجومي من منطلق أن من كتب المقال ليس متخصصا في التاريخ ،هو صحفي مدفوع بحقد اعمى او مأجور على مقاله من أعداء عبد الناصر،وهم كثر واولهم أنور السادات نفسه الذي سمح بالحملة ، فهب كل اعدا، عبد الناصر ومشروعه في الهجوم والنقد غير الموضوعي واولهم الاخوان ،ورموز واولاد واحفاد كبار الملاك وكبار الرأسماليين الذين انحاز ضدهم عبد الناصر لصالح الطبقة الوسطى والفقراء ،وايضا عملاء إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ،والخونه من العرب وفي مقدمتهم رجل المخابرات السعودي كمال ادهم صديق أنور السادات ، والعاهرات الذين اقتاتوا على اموال المخابرات ،واصطادوا جواسيس وعملاء كانوا يستهدفون مصر ،ثم انقلبن على صفوت الشريف وصلاح نصر _وهذا موضوع تفاصيله مخزيه _قد نتناوله في مقال اخر .
هذه المقدمة مهمه الحقيقة ،كان التسجيل في موضوع كهذا مشكلة واستدعى زيارة من أمن الدولة ،وتهديد بالغاء الموضوع إن تكلمت عن انور السادات كلمة واحدة ،كان الزائر شاب محترم ،بدرجة رائد ويبدو انه كان محبا لعبد الناصر ،فهددني وطلب مني عدم المشاركة في السيمنار او الندوات _وهذا موضوع طريف يستحق مقال ايضا _
نعود إلى الإخوان ،كانت حملتهم شرسة بعد أن اخرجهم السادات من السجون واطلق لهم العنان ليهاجموا عبد الناصر والناصريين وكل تيارات اليسار المصري حتى يستقر على عرش مصر ،بعد ان وصل اليه في سبتمبر ١٩٧٠ بعد رحيل عبد الناصر .
وكان لابد لاستكمال جمع المادة العلمية أن اذهب بأسئلتي ،للضباط الأحرار واعضاء مجلس قيادة الثورة ، الذين لايزالوا على قيد الحياة ، والشيوعيين والاخوان ،والوفديين ،ولأسرة جمال عبد الناصر ، الدكتورة هدى ،والمهندس خالد والمهندس عبد الحكيم ،وكل من له صلة بثورة يوليو من المثقفين .
كنت اجوب القاهرة من اقصاها إلى اقصاها باحثا عن شهود العصر مسلحا بجهاز تسجيل ،وشنطة مليئة بكروت البحث وعدة اقلام ،كان الكل يرفض التسجيل تخوفا من امن الدولة .
ذات يوم وانا اجلس مع استاذي قال لي هل انتهيت من مقابلة اللواء نجيب ومن توصلت اليهم من اعضاء مجلس قيادة الثورة والضباط الاحرار ،قلت له وبدأت مع الشيوعيين واطلعته على الكروت والاسئلة ،ثم التقيته بعد ثلاثة اسابيع وانا سعيد بالحصول على عناوين الإخوان ،عمر التلمساني ،وصلاح شادي ،وصالح أبو رقيق ،وحسن ودوح وغيرهم، وقلت له : غدا سوف ابدأ بعمر التلمساني ،الحقيقة كان سعيدا ،ثم قال لي :أين الاسئلة ؟ اطلعته عليها ،ثم قال :لماذا لم تجهز الرويات المضادة استعدادا لمناقشتهم ،صدمته بالاجابة _بالطبع لخبرتي المحدودة وقتئذ _قلت له كنت حذرا مع الشيوعيين ومتخوفا من كذبهم ،لكن الإخوان (بتوع ربنا )مش حيكذبوا ؟! بخبرة الاستاذية وحبه لي كظم غيظه ،وانهى الحوار قائلا :اراك الاسبوع القادم في نفس الموعد .
كان اللقاء الأول مع مرشد الإخوان عمر التلمساني في مقر صحيفة الدعوة في سوق التوفيقية ،رفض التسجيل ،وبادرني سائلا الرسالة لوجه الله ،ام لوجه الشيطان عبد الناصر ،صدمت وبلعت ريقي وقلت قلت له انا باحث وتعلمت منهج البحث التاريخي على يد اساتذة كبار ،كان اللقاء الأول فاشلا ،كنت اكتب وانا متشككا في كل كلمة ومصدوما من المصطلحات التي يستخدمها ،ولم اكن مستعدا بالفعل لمناقشته بروايات اخرى وعندما تذكرت فعل استاذي عندما قلت له ظول بتوع ربنا مش حيكذبوا علي ، انهيت اللقاء واخذت موعدا اخر .
والتقيت استاذي وكنت مهموما ،كان ذكيا لماحا ،فاجئني بكلمة واحدة ،كذاب ،وجدته يكذب عليك ،ثم ضحك واعطاني درسا طويلا في كيفية التعامل مع الرويات الكاذبة ،في الاسبوع التالي ذهبت إلى عمر التلمساني محملا بوجهات نظر الضباط ،والشيوعيين الذين زاملوهم في سجن جناح ،وضايقته من كثرة رفضي لرواياته ومقارنتها بروايات إخوان اخرين او ضباط او شهود السجن،
واتذكر جيدا
انه ختم حواري معه بأن :مابين الإخوان وعبد الناصر ثأر لا يمحوه الا الدم ، فقلت ساخرا ولكنه مات ،قال _ولقد نشر ماقاله في كتاب له بعد ذلك _مات ولكننا سنمحوا كل اعماله من التاريخ ،سنقول للناس ان (السد العالي سد مشئوم انكد سيؤتي بالخراب على مصر، وأن المصانع التي انشألها لم تكن لوجه الله وانما كانت من اجل مجده الأجوف ،وأن دهاقين الشيوعيين ضحكوا عليه وزينوا له حكاية حركة عدم الانحياز )عبد الناصر يا من ستصبح دكتور في الجامعة (علماني كافر )ضاعت فرصة اغتياله ،انها حقا الفرصة المضيعة ،وكان يقصد رصاصات المنشية وازمة مارس ١٩٥٤ .
كان اللقاء التالي مع أحد كبار الإخوان ايضا صلاح شادي ،ولنتركه لمقال اخر .
جمال شقرة