رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

- ربما يكون خطاب نتنياهو الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بحاجة إلى محلل نفسي قبل المحلل السياسي، فقد بدا منذ الوهلة الأولى شديد العصبية وهو يرى عشرات الوفود تغادر القاعة بمجرد صعوده إلى المنبر لإلقاء كلمته، مع أنها ليست المرة الأولى التي يواجه فيها هذا الموقف، 
- ⁠فما حدث يومها يكاد أن يكون تكراراً شبه حرفي لما حدث في الدورة السابقة رقم٨٠، وقد رصدت الكاميرا بوضوح نظراته الزائغة وهو يحرك عينيه يمنة ويسرة مصطنعًا ابتسامة يريد بها إعطاء الانطباع بأنه غير مبال بمن وصفهم في خطابه بالجبناء الذين ادعى أن إسرائيل تدافع عنهم، بينما هي خطر حقيقي عليهم، 
- ⁠ولم تكن هذه سوى إحدى المغالطات العديدة التي حفلت بها كلمته الطويلة التي زاد زمنها بدقائق قليلة عن كلمة الرئيس الأمريكي، وكان واضحًا كل الوضوح فيها مدى التوتر الذي لازمه طيلة إلقائه الكلمة !
- ⁠ولقد أحسست بأنه لا يلقي خطابًا أمام الجمعية العامة، وإنما في حملته الدعائية في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي تحل في الشهر القادم؛ ما لم يفتعل نتنياهو أي شئ لتأجيلها، تفاديًا لخسارة مازالت استطلاعات الرأي الإسرائيلي حتى الآن تشير إليها، وإن كان الموقف لا يزال بالغ التعقيد، خاصة بالنظر إلى ظاهرة التشظي الحزبي التي تسود الساحة السياسية في إسرائيل منذ نشأتها، 
- ⁠وفي هذا السياق وظف نتنياهو كل قدراته من أجل التذكير بسردية المظلومية اليهودية، مضيفًا إليها عددًا يُعتد به من الأكاذيب المُسْتَجَدَّة كإشارته لأن إسرائيل لا تحمي اليهود فحسب، وإنما هي حامية حمى المسيحيين أيضًا، متخيلًا أننا يمكن أن ننسى أن الجرائم الإسرائيلية تُرتكب بحق الجميع مسلمين ومسيحيين !
- ⁠وعلى سبيل المثال فإنها لا تطول في غزة والضفة دور العبادة الإسلامية فقط، وإنما طالما امتدّت النظيرتها المسيحية، ومن الأكاذيب الطازجة أيضاً أن اليهود باتوا يشعرون بعدم الأمان في نيويورك في ظل عمدتها المسلم الجديد، متصورًا أن مستمعيه من السذج أو الأغبياء، فلا يعلمون أن ثلث يهود نيويورك تقريباً قد أعطوه أصواتهم!
- ⁠وهذا بطبيعة الحال بالإضافة إلى الكذبة الأشهر التي تؤكد -بمنطق إذا لم تستح فافعل ماشئت- أن الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، وكيف لا وقد قتل أكثر من ٧٠ألف فلسطيني بدم بارد في حربه على غزة، ودمرها تدميرًا شبه كامل، والحمد لله أن شاهدين نزيهين من أهلها، وهما مخرجا فيلم "نازا/ الإسرائيليين الذي حاز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية الأخير، بالإضافة إلى تصفيق دام لأكثر من ثلث ساعة بعد عرضه، 
- ⁠ولقد ذُهِلت ونتنياهو يُخْرج من جيبه أثناء خطابه جهازًا مماثلًا لأجهزة البيجر التي فجرها في لبنان متفاخرًا بهذه العملية التي تُعْد أكبر شاهد على لا أخلاقية" الجيش الإسرائيلي، فقد رأينا بأعيننا كيف أودت هذه العملية بحياة أبرياء كثر، ناهيك بما أحدثته من إصابات وتشوهات.
- ⁠ولقد بلغ التوتر الذي ميز خطاب نتنياهو ذروته بالهجوم غير المسبوق الذي شنه على أطراف دولية عديدة بعضها متوقع والبعض الآخر مثل مفاجأة حقيقية، ولقد بدأ هجومه بالوفود التي قاطعته واصفًا المغادرين ب"الجبناء أخلاقيًا"، وأضاف "إن كان هناك مزيد من الجبناء الذين لم يغادروا القاعة فأطلب منهم المغادرة الآن" 
- ⁠وإذا كان طبيعيًا أن يقول في إيران ما قاله مالك في الخمر، فإن هجومه على تركيا بدا شديد العصبية، فقد اتهمها بنشر الأكاذيب وإيواء حماس، ووصف الرئيس التركي بالطاغية، وندد باحتلاله جزءًا من قبرص، وأطلق على قطر التي انتهك سيادتها بقصف الدوحة في سبتمبر ٢٠٢٥ وصف /الجبهة الثامنة"، متهمًا إياها بتزييف الوعي، وخص بالذكر قناة الجزيرة!
- ⁠أما أم المفاجآت فكانت هجومه على بريطانيا وفرنسا بسبب انتقاداتهما لسياسة الاستيطان الإسرائيلية، وفرضهما عقوبات على منتجات المستوطنات، ورد على اتهامهما إسرائيل بالاستعمار بأنهما هما من اخترعا هذا المصطلح، متناسيًا أن إسرائيل لم تكن لتنشأ وتقوى لولا دعمهما، وتواطؤها معهما في العدوان الثلاثي على مصر، 
- ⁠وفي مواجهة كل هذه التحديات الجسيمة كان حريصًا على تأكيد أن إسرائيل ستنتصر، واستعاد بطريقة مسرحية حواره مع شقيقه قبيل حرب١٩٦٧ عندما سأله عن المآل ، فأكد له أنه الانتصار، لأن إسرائيل ليس لديها سوى هذا الخيار، وهو نفس ما سيحدث وفقًا له في الموقف الحالي لأن إسرائيل هنا أيضًا ليس أمامها سوى خيار الانتصار!
- ⁠والحقيقة التي يصعب على نتنياهو أن يدركها أن الانتصار لا يتحقق لطرف لمجرد أنه ليس أمامه خيار سواه، وإنما يتحقق لتوفر مقوماته وأولها عدالة القضية، فغياب العدالة يُفْضي للمقاومة التي لا يمكن مقارنة قوتها بقوة المستعمر، لكن كافة تجارب الاستعمار والتحرير في العالم تشير إلى أن حركات المقاومة ضد الاستعمار تمكنت بمرور الزمن من تقوية صفوفها، وإلحاق خسائر موجعة بعدوها نتيجة تطويرها قدراتها، وتوفر حاضنة شعبية لها، واتباعها أسلوبًا غير تقليدي في القتال %;%الحروب غير المتماثلة)، وحصولها أحيانًا على دعم خارجي مؤثر، 
- ⁠ولم نسمع أن تجربة تحررية واحدة هُزِمَت في حروب التحرر الوطني، وكانت آخر تجربة في هذا الصدد هي تصفية نظام أجنوب أفريقيا العنصري في تسعينات القرن الماضي، بعد ثمان سنوات فقط من استكمال حلقة العقوبات الدولية على إيران، 
- ⁠وبالتالي على نتنياهو أن يعلم أن ثمة خيارًا آخر تطرحه تجارب التاريخ، وهو خيار الاندثار، وقد يبدو هذا الكلام غريبًا، لكن الاندثار يمثل خيارًا لا يدركه إلا الواقعيون، وما أحسب نتنياهو منهم، فهو صاحب عقلية استعمارية فجة عرفها تاريخ الاستعمار في أكثر من صورة، 
- ⁠ولا أنسى ما حييت تصريحات إيان سميث رئيس وزراء نظام روديسيا الجنوبية العنصري الذي قال بمنتهى الثقة في١٩٦٤ أنها لن تشهد في حياته ولا حياة أبنائه حكم الأغلبية السوداء، ولم تمر سوي ١٣سنة ليُضْطر في١٩٧٧ لقبول هذا الحكم، 
- ⁠وتظهر الخبرة التاريخية عمومًا أن أصحاب العقليات الاستعمارية يصيبهم "عمى إدراكي" فلا يتصورون أن الظاهرة الاستعمارية باتت مفارقة تاريخية، ومن ثم فإن طريقها نحو الاندثار حتمي، وإنما يثور الجدل حول متى وكيف؟ وهذه قصة أخرى يمكن الرجوع لها لاحقًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء