رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مواد الهوية بين عبداللطيف والمدارس الدولية

«لن نقبل بتجريف ثقافتنا».. بهذه العبارة الحاسمة تحدث الدكتور محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، عن تدريس اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية في المدارس الدولية، مؤكدًا أن أبناء مصر الذين يعيشون على أرضها يجب أن يعرفوا لغتها وتاريخها ورموزها ودينها.

لم يكن حديث الوزير مجرد تأكيد على مواد دراسية مقررة، وإنما فتح ملفًا أكبر يتعلق بالسؤال عن وظيفة المدرسة الدولية في المجتمع المصري: هل يكفي أن تقدم للطالب تعليمًا دوليًا يؤهله للمنافسة العالمية، أم أن عليها أيضًا أن تضمن ارتباطه بلغته وتاريخه وثقافته؟

المسألة في حقيقتها ليست صراعًا بين «الدولي» و«المصري»، ولا ينبغي أن تكون كذلك. فالمدارس الدولية أصبحت جزءًا من خريطة التعليم المصري، والوزارة نفسها تتعامل معها باعتبارها أحد مكونات المنظومة التعليمية. وقد أكد الوزير، في لقائه مع ممثلي وأصحاب المدارس الدولية في يوليو 2026، أهمية هذه المدارس، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية تمثل ركائز أساسية في بناء شخصية الطالب وترسيخ هويته الوطنية والثقافية.

وهنا تكمن المشكلة.فالمدرسة الدولية قد تمنح الطالب ساعات طويلة لدراسة اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وقد تقدم له مناهج دولية في العلوم والرياضيات والإنسانيات، وقد تؤهله للالتحاق بأرقى الجامعات العالمية؛ لكن يبقى السؤال: أين مصر في كل هذا؟أين اللغة العربية؟ لغة المجتمع وثقافته ودينه ؛ أين تاريخ مصر؟ و معرفة الطالب برموز وطنه وشخصياته وأحداثه الكبرى؟

وأين التربية الدينية التي تساعده على فهم دينه وقيم مجتمعه؟
لقد اتخذت وزارة التربية والتعليم خطوات لتنظيم هذه المسألة. فأصدرت  في أغسطس 2024، القرار الوزاري رقم ١٤٨، والذي جعل اللغة العربية والتاريخ يمثلان نسبة 20% من المجموع في المدارس الدولية، وتعقد امتحاناتهما تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، مع فترة انتقالية لتطبيق القرار. وتعالى صراخ أولياء الأمور من ذلك القرار، بل لجأ بعضهم إلى القضاء، الذي أنصف وزارة التربية والتعليم في الطعن رقم ٤٤٩٥٢ لسنة ٧١ ق ضد قرار الوزير؛ فمواد الهوية لا تقبل الجدل ولا النقاش، وهي وسيلة لوقف الانقسام الذي بدأ يحدث داخل المجتمع المصري بين ما اصطلح على تسميتهم «أهل إيجيبت» و«أهل مصر».

ورغم ذلك، فالمدارس الدولية ليست وحدها المسؤولة عن أزمة الهوية. فالمدرسة الحكومية أيضًا مطالبة بأن تجعل الطالب محبًا للغته وتاريخه وثقافته. وإذا كانت بعض المدارس الدولية قد تواجه خطر ابتعاد الطالب عن ثقافته بسبب كثافة المناهج الأجنبية، فإن المدرسة المصرية التقليدية قد تواجه خطرًا آخر: أن تدرّس الهوية بطريقة تجعل الطالب ينفر منها بدلًا من أن يرتبط بها.
لذلك، فإن القضية أوسع من مجرد «إلزام المدارس الدولية».إنها قضية فلسفة تعليم.

نحن نريد طالبًا مصريًا يستطيع أن يتعلم في نظام دولي، ويتحدث الإنجليزية بطلاقة، ويتعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ويفهم العالم وثقافاته، ويستطيع المنافسة في الجامعات وسوق العمل العالمي؛ لكن في الوقت نفسه يعرف لغته، وتاريخ بلاده، وجغرافيتها، وثقافتها، وقيم مجتمعها. فالمعادلة التي نحتاج إليها هي أن نخرج طالبًا عالمي التفكير، مصري الهوية.

وهنا يصبح موقف الوزير من مواد الهوية بداية لنقاش أكبر بكثير من مجرد إضافة مادة أو زيادة نسبة في المجموع: أي إنسان نريد أن تصنعه المدرسة المصرية في عصر التعليم الدولي؟
فالمشكلة ليست أن يتعلم أبناؤنا مناهج العالم… المشكلة أن يتعلموا العالم كله، ثم لا يعرفوا تاريخ وطنهم ولغته وقيمه الدينية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء