رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

انتخابات المحليات تحت المجهر.. قنديل يكشف تحديات النظام الانتخابي والرقابة

الوفد
الوفد

أكد الدكتور عبد الناصر قنديل، خبير النظم والتشريعات البرلمانية ومدير بيت الخبرة البرلماني، أهمية وضع رؤية تشريعية واضحة لتنظيم الإدارة المحلية والمجالس المحلية، مشيرًا إلى وجود عدد من الإشكاليات المرتبطة بمشروعات القوانين المطروحة، وفلسفة توزيع الاختصاصات، والنظام الانتخابي، وآليات الرقابة على أداء الأجهزة التنفيذية المحلية.

جاء ذلك خلال مشاركة قنديل في فعاليات «البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات»، الذي ينظمه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت رعاية الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، وبإشراف النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد المعهد، بهدف إعداد وتأهيل كوادر شابة قادرة على المشاركة الفاعلة في العمل العام والإدارة المحلية.

قنديل: لا حاجة لتعديل الدستور لإجراء انتخابات المحليات

أكد قنديل أن إجراء انتخابات المحليات لا يحتاج إلى تعديل دستوري، موضحًا أن النصوص الدستورية الحالية كافية لإجراء الانتخابات، وأن مشروعات القوانين المنظمة للمحليات موجودة وجاهزة للمناقشة.

وحذر من أن تعديل الدستور قد يؤدي إلى التراجع عن مكتسبات دستورية قائمة، مشددًا على ضرورة البناء على التراكم التشريعي وعدم تغيير النظام الانتخابي بصورة متكررة.

تاريخ مشروعات قوانين المحليات

استعرض قنديل تاريخ مشروعات قوانين الإدارة المحلية التي قُدمت خلال ثلاثة فصول تشريعية متوالية، موضحًا أن الحكومة تقدمت بمشروع قانون خلال الفصلين التشريعيين الأول عام 2015 والثالث عام 2025، بينما لم تقدم مشروعًا خلال الفصل التشريعي الثاني.

وأشار إلى الإشكالية المرتبطة بالمادة 186 من الدستور، التي تنظم التعامل مع مشروعات القوانين الحكومية ومشروعات النواب، موضحًا أن المشروع الحكومي يصبح أساسًا للمناقشة والتعديل عند وجوده إلى جانب مشروعات النواب.

وقال إن المشروع الحكومي لم يكن، من وجهة نظره، الأفضل، معتبرًا أنه حدّ من مساحة مناقشة المشروعات النيابية.

وأضاف أن بعض النواب كانوا يخشون من أن تؤدي انتخابات المحليات إلى ظهور منافسين انتخابيين لهم في الانتخابات البرلمانية التالية، مشيرًا كذلك إلى طرح سابق يرى أن الجمع بين الإدارة المحلية والمجالس المحلية في قانون واحد يمثل إشكالية منهجية.

قنديل يطالب بقانونين للمحليات

طرح قنديل ضرورة الفصل بين تنظيم المجالس المحلية والإدارة التنفيذية المحلية من خلال قانونين مستقلين؛ أحدهما ينظم الانتخابات وتفاصيل تشكيل المجالس، والآخر ينظم الإدارة التنفيذية واختصاصاتها.

وأوضح أن مشروعات سبق تقديمها في مجلس النواب تضمنت هذا الفصل، إلا أنها لم تُدرج على جدول الأعمال لسنوات، رغم وجود تعهدات متتالية بإصدار قانون الإدارة المحلية.

وأشار إلى أن الحكومة أعادت تقديم مشروعها لعام 2016، الموقع من رئيس الوزراء الراحل شريف إسماعيل، بدلا من تبني مشروع لجنة الإدارة المحلية الصادر في أكتوبر 2019.

وانتقد إحالة مشروعات القوانين الأخيرة إلى لجنة خاصة، معتبرًا أن ذلك يثير إشكاليات لائحية، كما انتقد ما وصفه بتهميش الحوار المجتمعي في مناقشة التشريعات.

13 ثانية لمناقشة المادة القانونية

تطرق قنديل إلى منهجية المناقشات التشريعية، مشيرًا إلى أن متوسط زمن مناقشة المادة القانونية في برلمان 2015 بلغ نحو 13 ثانية، مقابل متوسط عالمي أشار إليه بنحو 27 ثانية.

ورأى أن هذه الأرقام تطرح تساؤلات حول طبيعة المناقشات التشريعية وعمق دراسة النصوص قبل إقرارها.

كما أشار إلى وجود تناقض في الموقف الحكومي، إذ قدمت الحكومة مشروعًا واحدًا يجمع بين المجالس والإدارة المحلية، بينما طالب ممثلها داخل اللجنة بالفصل بينهما.

«الحكم المحلي» أم «الإدارة المحلية»؟

فرّق قنديل بين مفهومي «الحكم المحلي» و«الإدارة المحلية»، موضحًا أن الحكم المحلي يقوم على اختصاصات أوسع واستقلالية أكبر للمستويات الأدنى، بينما ترتبط الإدارة المحلية بتفويض بعض الاختصاصات من السلطة المركزية.

وأشار إلى أن الدستور يستخدم مصطلح «الإدارة المحلية»، في حين تمنح المادة 180 المجالس المحلية صلاحيات واسعة، تشمل استقلالية إدارية ومالية واقتصادية، وهو ما يقترب، بحسب عرضه، من مفهوم الحكم المحلي.

وانتقد غياب فلسفة تشريعية واضحة في بعض مشروعات القوانين، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الاختصاصات بين الأعضاء المنتخبين ورؤساء الوحدات التنفيذية المحلية.

أهمية «المجلس الأعلى للإدارة المحلية»

أشار قنديل إلى غياب «المجلس الأعلى للإدارة المحلية»، الذي كان منصوصا عليه في القانون رقم 43، موضحًا أنه كان يضم المحافظين ورؤساء المجالس المحلية والوزراء المعنيين، بهدف تنسيق الخطط وتبادل الخبرات بين المحافظات.

وشدد على أهمية إجراء دراسات الأثر التشريعي قبل إصدار القوانين، مشيرًا إلى غياب هذا النوع من الدراسات في مصر منذ سنوات، واستشهد بواقعة عام 1992 في المجلس المحلي لمحافظة البحر الأحمر، والتي ارتبطت بأزمة صناديق النذور وانتهت إلى إصدار تشريع ينظم أموال هذه الصناديق.

النسب الدستورية تعقّد النظام الانتخابي

ناقش قنديل التحديات المرتبطة بالنسب الدستورية الواردة في المادة 180، والتي تشمل العمال والفلاحين، والشباب، والمرأة، والأقباط، وذوي الإعاقة.

وأوضح أن جمع هذه النسب المتداخلة داخل نظام انتخابي واحد يمثل تحديا تشريعيا وانتخابيا، مؤكدًا صعوبة تطبيق النظام الفردي في ظل هذه الاشتراطات.

وأشار إلى أن دراسة أكتوارية أجريت بشأن النظام الفردي خلصت، وفق عرضه، إلى أن إعلان النتائج والتثبت منها قد يستغرق نحو خمسة أشهر.

القائمة المغلقة والنظام الهجين

انتقد قنديل نظام القائمة المغلقة المطلقة، موضحًا أنه يمنح القائمة الفائزة جميع المقاعد، بما يرسخ مبدأ المغالبة الانتخابية الكاملة.

كما تناول القائمة النسبية، مشيرًا إلى أنها قد لا تضمن الوفاء بجميع النسب الدستورية المطلوبة.

وعرض النظام الهجين التوافقي الذي أشار إلى أنه صدر عن الحوار الوطني بموافقة 22 حزبًا، ويقوم على تخصيص 75% للقائمة المغلقة المطلقة بهدف استيفاء النسب الدستورية، مقابل 25% للقائمة النسبية أو النظام الفردي بهدف تنويع التمثيل.

6 أوراق اقتراع و7 دقائق للناخب

أوضح قنديل أن مستويات الإدارة المحلية خمسة، هي المحافظة والمركز والمدينة والقرية والحي.

وانتقد مقترح تحديد ثمانية أعضاء لكل مجلس محلي، معتبرًا أن هذا العدد قد لا يكون كافيًا لإدارة الملفات والقرارات المحلية، خاصة على مستوى الوحدات الصغيرة.

واقترح رفع عدد أعضاء المجلس المحلي المنتهي، سواء القرية أو المدينة، إلى 16 عضوًا، معتبرًا أن زيادة العدد يمكن أن تقلل من احتمالات التأثير على قرارات المجلس.

كما تناول تعقيد عملية التصويت في ظل النظام المختلط، موضحًا أن الناخب قد يواجه ست أوراق اقتراع، بواقع ورقتين للقرية، وورقتين للمركز، وورقتين للمحافظة.

وكشف أنه خلال تجربة أكتوارية أخطأ في تصنيف أوراق التصويت سبع مرات من أصل عشر، مشيرًا إلى أن متوسط زمن تصويت الناخب يبلغ نحو سبع دقائق.

واقترح إجراء انتخابات المحليات على مرحلتين أو يومين، بحيث تشمل المرحلة الأولى القرى والمدن والأحياء، بينما تضم المرحلة الثانية المراكز والمحافظات، بهدف تخفيف الضغط التشغيلي وضمان سلامة العملية الانتخابية.

أكاديمية الإدارة المحلية

تطرق قنديل إلى مقترح إنشاء «أكاديمية الإدارة المحلية»، موضحا ضرورة أن تكون كيانا تدريبيا وطنيا مستقلا، يستهدف إعداد كوادر الأحزاب والقوى السياسية وتدريب أعضاء المجالس المحلية على ممارسة أعمال الرقابة.

وشدد على ضرورة ألا تتحول الأكاديمية إلى أداة للإقصاء المسبق أو الاستبعاد التنفيذي للمرشحين.

انتخاب المحافظ أم تعيينه؟

استعرض قنديل المادة 179 من الدستور، التي تركت للمشرع تحديد آلية شغل مناصب الإدارة المحلية العليا، سواء بالانتخاب أو التعيين.

وأشار إلى أن الانتخاب يحقق الارتباط بالإقليم والشرعية الشعبية، بينما يثير في المقابل عددًا من الاعتبارات المتعلقة بالطبيعة الاجتماعية للمحافظات الحدودية وغيرها من الاعتبارات الأمنية والدستورية.

وأعلن تأييده لتعيين المحافظ، مع ضرورة تفعيل أدوات الرقابة المحلية، وفي مقدمتها الاستجواب وسحب الثقة، بينما أشار إلى وجود رأي نيابي آخر يتمسك بالانتخاب.

صلاحيات المجالس المحلية والرقابة على المحافظين

قارن قنديل بين الوضع السابق في القانون رقم 43، الذي كان يمنح الوزير أو المحافظ صلاحيات للاعتراض على قرارات المجالس المحلية وإلغائها، وبين المادة 181 من الدستور التي جعلت قرارات المجالس المحلية، في حدود اختصاصاتها، نهائية.

وأوضح أن اعتراض السلطة التنفيذية ينحصر في حالات تجاوز المجلس لاختصاصاته أو الإضرار بالمصلحة العامة أو الإضرار بمجلس محلي آخر.

وأشار إلى أن الفصل في الاعتراضات يُحال إلى المستوى الأعلى من المجالس المحلية أو إلى قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، مع إلغاء حق السلطة التنفيذية في حل المجالس.

قيود الاستجواب وسحب الثقة

أشار قنديل إلى أن المادة 180 أعادت أدوات الرقابة القوية للمجالس المحلية، وفي مقدمتها الاستجواب وسحب الثقة، بعد عقود اقتصرت خلالها الرقابة على الأسئلة والطلبات.

وانتقد بعض القيود الواردة في مشروعات القوانين، ومنها اشتراط توقيع 50% زائد واحد من الأعضاء لتقديم الاستجواب، وموافقة الثلثين على القرار، معتبرًا أن هذه الشروط قد تصعّب استخدام أدوات الرقابة، خصوصا من جانب المعارضة.

رفض تكرار حل المجالس المحلية

شدد قنديل على ضرورة منع الحل الإداري الجماعي للمجالس المحلية، مستشهدًا بما حدث عام 2011 عندما جرى حل 3139 مجلسا محليا بقرار واحد.

وطالب بأن يقتصر الحل مستقبلا على المجلس الذي يثبت وجود عوار في أدائه، مع اشتراط موافقة البرلمان، وتشكيل مجلس مؤقت، والدعوة إلى انتخابات جديدة خلال 60 يومًا.

وأشار إلى أن المادة 183 من الدستور جاءت، بحسب عرضه، لتضع ضمانة تحول دون تكرار الحل الشامل للمجالس المحلية.

لماذا لم تُجر انتخابات المحليات حتى الآن؟

خلال رده على أسئلة الحاضرين، تناول قنديل أسباب عدم إجراء انتخابات المحليات حتى الآن، مشيرًا إلى ما وصفه بوجود مستفيدين من استمرار غيابها.

وأوضح أن بعض النواب قد يفضلون الاحتفاظ بالدور الخدمي المحلي في ظل غياب المجالس المنتخبة، بينما قد تستفيد الأجهزة التنفيذية المحلية من غياب الرقابة الشعبية المباشرة.

وأشار كذلك إلى تقرير لمنظمة الشفافية الدولية قال إنه تناول حجم الفساد المحلي في مصر، وربط بين ما ورد فيه وتصريحات سابقة بشأن الفساد المحلي.

التمييز الإيجابي وخفض سن الترشح

ناقش قنديل فلسفة التمييز الإيجابي، مؤكدًا ضرورة أن تكون النسب المخصصة للفئات المختلفة ذات طبيعة مؤقتة، كما تناول تحديات التطبيق العملي لتمثيل الأقباط والنساء وذوي الإعاقة والمصريين بالخارج.

ودعا إلى خفض سن الترشح إلى 21 عاما، بما يسمح للشباب بخوض دورة انتخابية كاملة واكتساب الخبرة قبل الانتقال إلى العمل البرلماني.

التصويت الإلكتروني يحتاج إلى شفافية

تطرق قنديل إلى التصويت الإلكتروني، موضحا أن تجربة عام 2015 شملت 334 جهازًا، دون صدور تقرير تقييمي فني، مؤكدًا ضرورة توفير أعلى درجات الشفافية عند تطبيق أي نظام إلكتروني في العملية الانتخابية.

الديمقراطية تحتاج إلى تراكم تشريعي

اختتم قنديل حديثه بالتأكيد على أن الديمقراطية مسار متدرج يحتاج إلى التراكم والمشاركة الشعبية وحماية العملية الانتخابية.

وشدد على أهمية تثبيت النظام الانتخابي والبناء على الخبرات التشريعية السابقة بدلا من تغييره بصورة مستمرة، مشيرًا إلى أن مصر غيّرت نظامها الانتخابي مرات عديدة خلال العقود الماضية، مقارنة باستقرار نظام الاقتراع الأمريكي منذ القرن الثامن عشر.

مارجريت عازر: البرنامج يستهدف إعداد جيل جديد من الكوادر

من جانبها، أكدت النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن «البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات» يستهدف إعداد جيل جديد من الكوادر القادرة على المشاركة في الحياة العامة والعمل السياسي والإدارة المحلية.

وأوضحت أن البرنامج يستمر لمدة شهر، ويتضمن محاضرات ولقاءات تدريبية تتناول الإدارة المحلية والتشريعات المنظمة لها، إلى جانب أسس العمل السياسي وآليات المشاركة المجتمعية.

وأضافت أن البرنامج يأتي في إطار توجه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية نحو دعم وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والاستفادة من خبرات الشخصيات السياسية والتنفيذية والأكاديمية، بما يسهم في إعداد كوادر محلية تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع احتياجات المواطنين والتحديات التي تواجه المجتمعات المحلية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء