شاركتُ منذ عدة أسابيع في تحقيق صحفي بجريدة الأخبار، كان عنوانه «التعليم المر»، تناول فيه عدد من الخبراء قضية خصخصة التعليم العالي، وارتفاع مصروفات الجامعات الخاصة والأهلية.
وتذكرتُ هذا العنوان الصادم منذ أيام قليلة، عندما استوقفتني حالة لطالبة بإحدى الكليات الطبية في جامعة خاصة. كانت أمورها تسير على ما يرام؛ متفوقة في دراستها، وحاصلة على تقدير " ممتاز " خلال سنواتها السابقة، وملتزمة بسداد مصروفاتها الدراسية التي تتجاوز مائة ألف جنيه، حتى وصلت إلى العام الدراسي الثالث.
وفجأة، توفي والدها، الذي كان مصدر الدخل الوحيد للأسرة، فلم تعد قادرة على سداد المصروفات، وأصبحت مهددة بترك الجامعة.
شاهدتها بعيني وهي تسأل، بمرارة وحيرة، أسئلة لم تجد من يجيب عنها: «أنا أروح فين دلوقت؟ معاش بابا مش مكفينا أكل وشرب. أجيب منين مائة ألف أدفعهم؟ لا عندنا أرض ولا أي حاجة، مصدر دخلنا كان مرتب بابا. دلوقت أروح فين وأنا في تالتة؟ هاترمي في الشارع بعد ما وصلت لتالتة؟ أنا كنت جايبة ٨٦٪… يا ريتني كنت دخلت أي كلية حكومي وأكمل تعليمي».
فهل من مجيب عن أسئلتها؟
إنها واحدة من صور التعليم المر؛ ذلك التعليم الذي يحاول من خلاله ولي الأمر متوسط الدخل أن يحقق حلمه في أن يرى ابنه في مكانة متميزة، فيبيع «اللي وراه واللي قدامه» حتى يلحقه بجامعة خاصة أو أهلية، لكنه في خضم سعيه لتحقيق هذا الحلم قد لا يضع في حساباته مفاجآت القدر وتقلبات الحياة.
وهذه الحالة بالتأكيد ليست حالة فردية، فمثلها مئات الحالات في الجامعات الخاصة والأهلية، يجد أصحابها أنفسهم فجأة في مهب الريح بسبب ظروف قهرية وخارجة عن إرادتهم.
فما الحل إذن؟
لماذا لا تنشئ هذه الجامعات صندوقًا للأزمات، تُخصص له نسبة من حصيلة الرسوم الدراسية التي تقدر بمليارات الجنيهات سنويًا، لمساعدة الطلاب الذين يتعرضون لظروف قهرية تحول دون قدرتهم على استكمال دراستهم؟ ويتولى الصندوق سداد المصروفات عن هؤلاء الطلاب بعد دراسة حالاتهم دراسة دقيقة ووافية.
كما يمكن أن تتخذ مجالس الجامعات قرارات بإعفاء الطلاب المتعثرين في سداد المصروفات، عندما يكون التعثر ناتجًا عن أسباب قهرية، مثل وفاة عائل الأسرة أو فقدان مصدر الدخل.
ويمكن أيضًا أن تخصص الجامعات منحًا دراسية لمثل هؤلاء الطلاب بعد دراسة أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، أو أن توقع اتفاقيات مع البنوك لتقديم قروض تعليمية بدون فوائد، على أن تمتد فترة السداد إلى عشر سنوات بعد التخرج والالتحاق بالعمل.
فالطالب الذي فقد والده، أو فقد مصدر دخل أسرته، لا ينبغي أن يفقد معه حقه في استكمال تعليمه.
مع الأسف الشديد، فإن اهتمامنا الكبير بالتوسع في الجامعات الخاصة والأهلية، وجعل التعليم سلعة للقادرين فقط دون وضع شبكات أمان كافية للطلاب وأسرهم، جعل التعليم مرًّا لدى البعض.
فهل آن الأوان لأن نعيد النظر في الأمر، وأن ندرك أن التعليم ليس مجرد خدمة تُشترى، وإنما حق ومستقبل وحياة؟





