رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أيلول الأسود.. قصة الحرب الأهلية في الأردن التي هزت العالم العربي

أيلول الأسود
أيلول الأسود

تحل اليوم ذكرى انعقاد قمة عربية طارئة في القاهرة، بعد توافد عدد من الرؤساء العرب إلى العاصمة المصرية لبحث تداعيات الحرب الأهلية الأردنية الفلسطينية، التي عُرفت باسم «أيلول الأسود»، في ظل تصاعد المواجهات بين القوات الأردنية والفصائل الفلسطينية خلال تلك الفترة.

جذور الأزمة

ترجع جذور الأزمة بين السلطات الأردنية والفصائل الفلسطينية إلى مرحلة ما بعد هزيمة يونيو 1967، عندما تراجعت الفصائل الفلسطينية إلى شرق نهر الأردن، في انتظار إعادة ترتيب صفوفها ومواصلة مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. ومع مرور الوقت، توسع حضور الفصائل الفلسطينية داخل الأردن، وأصبح لها نفوذ سياسي وعسكري وشعبي كبير، وهو ما أدى تدريجيًا إلى توتر العلاقة بينها وبين مؤسسات الدولة الأردنية.

وشهدت العلاقة بين الجانبين احتكاكات متكررة خلال عامي 1968 و1969، خاصة بعد «معركة الكرامة» عام 1968، التي خاض فيها الجيش الأردني مواجهة مع القوات الإسرائيلية في منطقة الأغوار. وأسهمت المعركة في تعزيز مكانة حركة فتح والفصائل الفلسطينية، التي تحولت من مجموعات مسلحة إلى حركات تحرر وطنية، وانضمت إليها عدة فصائل أخرى، وهو ما أدى إلى تغير ميزان القوى داخل الأردن.

وفي نوفمبر 1968، جرى التوصل إلى ما عُرف باسم «اتفاقية البنود السبعة»، بهدف تنظيم وجود الفصائل الفلسطينية داخل الأردن وإبعادها عن المدن وتقييد حركتها، لكن الاتفاق لم يصمد طويلًا أمام استمرار التوتر. وتزايدت المواجهات المسلحة بين الطرفين، بينما تسبب النشاط العسكري للفصائل على الجبهة الإسرائيلية في تعرض الأردن لردود فعل إسرائيلية وضغوط دولية متزايدة.

تصاعد المواجهات

بلغت الأزمة مرحلة أكثر خطورة في فبراير 1970، عندما اندلعت مواجهات مسلحة واسعة بين القوات الأردنية والفصائل الفلسطينية، وأسفرت عن سقوط أكثر من 300 قتيل، معظمهم من المدنيين، قبل أن ينجح الملك حسين في تهدئة الموقف وإطلاق عبارته الشهيرة «نحن كلنا فدائيون».

لكن الهدوء لم يستمر طويلًا، وظلت المواجهات والاحتكاكات بين الجانبين مستمرة، حتى أصبحت العلاقة توصف بأنها صراع بين سلطتين داخل دولة واحدة. وتشير مذكرات وشهادات تناولت تلك المرحلة إلى اتساع تدخل بعض الفدائيين في الشأن الأردني، بينما تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى الجيش الأردني ومؤسسات الدولة، وهو ما زاد من حدة الاحتقان.

وفي المقابل، أكدت قيادات فلسطينية في شهادات لاحقة أن هدفها لم يكن الاستيلاء على الحكم الأردني، فيما قال الملك حسين إن مواجهته للفصائل لم تكن تستهدف من يقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وإنما جاءت نتيجة ما اعتبره تهديدًا لسلطة الدولة الأردنية وقاعدة انطلاق المقاومة.

اختطاف الطائرات

وجاءت نقطة التحول الأخطر في 6 سبتمبر 1970، عندما قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باختطاف عدد من طائرات الركاب المدنية، وأجبرت طائرات على الهبوط في مطار «داوسن» المهجور في الصحراء الأردنية، في عملية استهدفت الضغط من أجل الإفراج عن فلسطينيين معتقلين في السجون الإسرائيلية والأوروبية.

وشملت الطائرات المخطوفة طائرة تابعة للخطوط الأمريكية كانت متجهة من فرانكفورت إلى نيويورك وعلى متنها 142 راكبًا، وطائرة سويسرية في طريقها من زيورخ إلى نيويورك وعلى متنها 150 راكبًا، إلى جانب طائرة بريطانية كانت متجهة من بومباي إلى لندن. وأثارت عمليات الاختطاف انقسامًا داخل الفصائل الفلسطينية، بين من رأى فيها وسيلة للضغط على إسرائيل وحلفائها، ومن اعتبرها تصرفًا يضر بصورة المقاومة الفلسطينية أمام الرأي العام العالمي.

ومع تحول أزمة الطائرات إلى أزمة دولية، أصبحت الولايات المتحدة تتابع تطورات الوضع عن قرب، وبدأت واشنطن في بحث السيناريوهات المحتملة للحفاظ على نظام الملك حسين، خاصة مع وجود قوات عراقية في الأردن، واحتمالات دخول سوريا أو أطراف أخرى على خط المواجهة.

حسابات دولية

تكشف الوثائق الأمريكية التي تناولت تلك الفترة عن نقاشات واسعة داخل إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بشأن تطورات الأزمة، ودور إسرائيل المحتمل في مساندة الأردن إذا تدهورت الأوضاع. وكان مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر من أبرز المسؤولين الذين شاركوا في صياغة التصورات الأمريكية للتعامل مع الأزمة.

وفي سبتمبر 1970، ناقشت الإدارة الأمريكية احتمالات التدخل الإسرائيلي لدعم الملك حسين في مواجهة الفصائل الفلسطينية والقوات العراقية الموجودة في الأردن، مع مخاوف من أن يؤدي التدخل الأمريكي المباشر إلى اتساع المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي أكبر. كما كانت واشنطن تراقب موقف الاتحاد السوفيتي وتحسب تداعيات أي تدخل عسكري إسرائيلي أو أمريكي.

وتشير الوثائق إلى أن وجود نحو 17 ألف جندي عراقي في الأردن كان أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى الولايات المتحدة والملك حسين، خاصة في ظل علاقات العراق بالاتحاد السوفيتي آنذاك، والمخاوف من تغير موازين القوى داخل الأردن في حال توسعت المواجهات.

وفي 12 سبتمبر، أظهر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون خلال محادثة مع كيسنجر دعمه لفكرة مساندة الملك حسين، بينما تصاعد الضغط على السلطات الأردنية لإعادة فرض سيطرتها الكاملة على أراضي المملكة. وبعد تدمير الطائرات المخطوفة، ازدادت الأزمة تعقيدًا، وأصبحت المواجهة بين القوات الأردنية والفصائل الفلسطينية أقرب إلى الانفجار الشامل.

بداية أيلول الأسود

في 17 سبتمبر 1970، بدأت القوات الأردنية تحركًا واسعًا ضد المنظمات الفلسطينية، لتدخل البلاد مرحلة من أعنف المواجهات في تاريخها الحديث. واستمرت المعارك خلال الأيام التالية، وسقط خلالها آلاف القتلى والجرحى، وسط مخاوف عربية ودولية من اتساع نطاق الصراع وتدخل قوى إقليمية ودولية بصورة مباشرة.

وفي الوقت نفسه، كانت سوريا قد دفعت ببعض قواتها إلى المعركة، بينما ظل احتمال تدخل العراق قائمًا، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى متابعة الموقف والاستعداد لسيناريوهات مختلفة، بما في ذلك احتمال التدخل إذا دخلت قوى عربية أخرى الحرب.

وتصف مصادر تاريخية الفترة الممتدة بين 17 و27 سبتمبر بأنها أكثر مراحل الأزمة دموية، إذ تحولت المواجهات إلى حرب مفتوحة داخل الأردن، وسط محاولات عربية متواصلة لوقف إطلاق النار وإنهاء القتال.

إنقاذ عرفات

مع تصاعد القتال، تحركت مصر لاحتواء الأزمة، وتولى الفريق أول محمد أحمد صادق، وزير الحربية المصري ورئيس أركان الجيش المصري آنذاك، مهمة الوساطة بين الطرفين. ووفقًا لما رواه صادق في مذكراته، طلب منه الرئيس جمال عبد الناصر السفر إلى الأردن لمحاولة وقف الاقتتال والعمل على إنقاذ رموز المقاومة الفلسطينية.

غادر صادق المستشفى، حيث كان يستعد لإجراء عملية جراحية، واستقل طائرة حربية بزعم التوجه إلى بيروت، قبل أن يغير مسارها إلى عمان. وبعد وصوله، التقى الملك حسين، ثم بدأ اتصالات مع الفصائل الفلسطينية من خلال الملحق العسكري المصري، حتى تمكن من الوصول إلى ياسر عرفات.

وكان عبد الناصر، بحسب رواية صادق، حريصًا بصورة خاصة على إخراج عرفات حيًا من الأردن، باعتباره أحد أبرز رموز المقاومة الفلسطينية، في ظل المخاوف من أن تؤدي الحرب إلى تصفية قيادة المقاومة أو إضعافها بصورة كبيرة.

قمة القاهرة

دعت مصر إلى عقد قمة عربية طارئة في القاهرة لبحث تطورات الأزمة، وأُرسل وفد عربي برئاسة الرئيس السوداني جعفر النميري إلى الأردن بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وبعد عدم صمود الهدنة، عاد الوفد إلى عمان، فيما تقرر عقد القمة العربية في القاهرة يوم 25 سبتمبر 1970.

وشارك الفريق أول محمد أحمد صادق في التحركات العربية، وكان يحمل إلى جانب مهمته الرسمية مهمة أخرى تتعلق بإخراج ياسر عرفات من الأردن. وتمكن الوفد من الوصول إلى عرفات بعد أن وجه النميري نداء عبر الإذاعة الأردنية يطلب فيه لقاء الزعيم الفلسطيني للتفاوض.

وبعد اللقاء، نقل عرفات إلى مقر السفارة المصرية، حيث جرت مشاورات بشأن وقف القتال، ثم تمكن صادق من إخراجه من الأردن داخل طائرته، بعد أن طلب اصطحاب مصريين حاصرتهم الأحداث في الأردن وإعادتهم إلى مصر. ووصل عرفات إلى القاهرة، في خطوة هدفت إلى الحفاظ على قيادة المقاومة الفلسطينية وإبعاده عن دائرة الخطر المباشر.

وفي القاهرة، استمرت المفاوضات العربية للتوصل إلى اتفاق ينهي القتال، فيما كان الرئيس جمال عبد الناصر يتابع تطورات الأزمة عن قرب. وبعد انتهاء القمة والمفاوضات، عاد صادق إلى منزله، قبل أن يتلقى اتصالًا يطلب منه العودة فورًا إلى منزل عبد الناصر، ليكتشف عند وصوله وفاة الرئيس المصري في 28 سبتمبر 1970.

الإفراج عن أبو إياد

لم تقتصر الوساطات العربية على محاولة وقف القتال وإنقاذ ياسر عرفات، إذ تدخل الملك المغربي الراحل الحسن الثاني أيضًا لدى الملك حسين من أجل الإفراج عن صلاح خلف «أبو إياد»، أحد أبرز قادة منظمة التحرير الفلسطينية، والذي كان قد اعتُقل خلال أحداث أيلول الأسود.

ويروي الحسن الثاني في مذكراته أنه أرسل مبعوثًا خاصًا إلى الملك حسين، واستخدم المبعوث خطابًا دينيًا وأخلاقيًا لحث الملك الأردني على العفو عن أبو إياد، مؤكدًا أن الإفراج عنه يمكن أن يكون تعبيرًا عن التسامح. واستجاب الملك حسين للوساطة، وأُفرج عن أبو إياد، الذي استمرت علاقاته بعد ذلك بعدد من الأطراف والشخصيات الدولية.

نهاية المواجهات

تقدر المصادر أعداد ضحايا أحداث أيلول الأسود وامتداداتها السابقة واللاحقة بعشرات الآلاف، من بينهم نحو أربعة آلاف قتيل، أغلبهم من الفدائيين الفلسطينيين، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى من الجانبين.

وانتهت المواجهات بإخراج الفصائل الفلسطينية من الأردن وانتقالها إلى لبنان، حيث استمرت المواجهات والصراعات المرتبطة بالقضية الفلسطينية. وبعد نحو عام من أحداث أيلول الأسود، أسست حركة فتح منظمة حملت اسم «أيلول الأسود»، بهدف تنفيذ عمليات انتقامية ردًا على ما جرى للفصائل الفلسطينية في الأردن.

وكان من أبرز العمليات التي ارتبطت بالمنظمة اغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل خلال وجوده في القاهرة للمشاركة في اجتماع عربي، في حادثة أصبحت واحدة من أبرز تداعيات الصراع الذي بدأ في الأردن عام 1970.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء