حين يتعطل شريان السعودية.. كيف تهتز خريطة النفط من الرياض إلى أوروبا؟
دخل سوق النفط العالمي مرحلة جديدة من التوتر مع تعطل خط أنابيب شرق-غرب السعودي «بترولاين»، أحد أهم شرايين نقل الخام في المملكة، عقب تعرض منشآت على مساره لهجمات بطائرات مسيّرة.
وأدى توقف الخط إلى اضطراب حركة إمدادات النفط من الساحل الشرقي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وسط مخاوف من استمرار التعطل لفترة قد تمتد لأسابيع، وهو ما دفع أسعار خام برنت إلى تجاوز 109 دولارات للبرميل خلال موجة الصعود الأولى قبل أن تتراجع لاحقاً مع تحرك أرامكو لتوفير مسارات بديلة.
ويمتد خط شرق-غرب لنحو 1200 كيلومتر عبر المملكة، وتكمن أهميته الاستراتيجية في قدرته على نقل الخام من مناطق الإنتاج في الشرق إلى ساحل البحر الأحمر، بما يوفر مساراً بديلاً لصادرات النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
خط استراتيجي ينقل ملايين البراميل يومياً
أظهرت بيانات أرامكو أن خط شرق-غرب وصل في الربع الأول من 2026 إلى طاقته القصوى البالغة نحو 7 ملايين برميل يومياً، ما يؤكد دوره المحوري في منظومة تصدير الخام السعودي.
لكن مصادر في قطاع النفط أفادت بأن الخط كان ينقل خلال الفترة الأخيرة نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً قبل أن تؤدي الهجمات إلى إغلاقه مؤقتاً، وهو ما يعادل نحو 4% إلى 5% من الإمدادات العالمية وفق تقديرات نقلتها رويترز.
وتزداد حساسية التطورات الحالية في ظل استمرار اضطرابات حركة الشحن في المنطقة، ما يجعل أي تعطل إضافي في مسارات نقل الخام عاملاً مؤثراً في توازنات سوق الطاقة العالمية.
أرامكو تعيد توجيه الصادرات عبر الخليج وعُمان
في مواجهة تعطل الخط، بدأت أرامكو في إعادة ترتيب حركة صادراتها من خلال الموانئ الواقعة على الخليج العربي، وعلى رأسها رأس تنورة، مع استخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة ميناء صحار العماني للوصول إلى العملاء في آسيا.
وبحسب مصادر تجارية نقلتها رويترز، تستهدف المملكة نقل نحو 60 مليون برميل من الخام خلال سبتمبر وأكتوبر عبر هذه العمليات، بمتوسط يتراوح بين مليون و1.5 مليون برميل يومياً، بما يساعد على تعويض انخفاض الشحنات الخارجة من ميناء ينبع.
لكن هذا المسار البديل يأتي بتكلفة لوجستية أعلى، خصوصاً مع ارتفاع أسعار ناقلات النفط العملاقة، إذ وصلت معدلات الشحن لبعض الرحلات إلى مستويات قياسية مع زيادة الطلب على السفن وارتفاع المخاطر المرتبطة بالمرور في المنطقة.
أوروبا أمام ضغوط جديدة على إمدادات الخام السعودي
لم تقتصر تداعيات الأزمة على حركة الشحن الآسيوية، إذ امتدت إلى العملاء الأوروبيين، مع تقارير عن إخطار أرامكو بعض شركات التكرير الأوروبية بعدم حصولها على شحنات خام خلال أكتوبر المقبل.
وتأتي هذه التطورات بعد تعليق عمليات تحميل الخام من ميناء ينبع، وهو ما أدى إلى اضطراب الإمدادات المتجهة إلى أوروبا ودفع بعض المصافي للبحث عن بدائل من خامات أخرى.
ويزيد ذلك من الضغوط على السوق الأوروبية، خصوصاً أن تعويض الخام السعودي يتطلب البحث عن خامات ذات خصائص مماثلة، إلى جانب تحمل تكاليف إضافية للنقل والتأمين.
برنت يتراجع من قمة 110 دولارات
رغم القفزة التي شهدتها أسعار النفط في أعقاب تعطّل خط شرق-غرب، بدأت السوق في استيعاب جزء من الصدمة مع ظهور مؤشرات على قدرة أرامكو على إعادة توجيه جزء من الصادرات.
وأغلق خام برنت في 18 سبتمبر عند نحو 104.87 دولار للبرميل، بعدما تراجعت الأسعار مع تحرك الصين دبلوماسياً لدى إيران للحد من هجمات الحوثيين على البنية التحتية النفطية السعودية، بالتزامن مع مؤشرات على استمرار تدفق الإمدادات عبر المسارات البديلة.
كما سجل برنت نحو 104.82 دولار في جلسة 17 سبتمبر، في وقت ظلت فيه الأسعار أعلى من مستوى 100 دولار للبرميل وسط استمرار المخاوف الجيوسياسية.
مدة إصلاح الخط تحسم اتجاه السوق
يبقى عامل الزمن هو المتغير الأهم في تحديد مدى اتساع تأثير الأزمة على سوق النفط.
وأفادت مصادر صناعية بأن إصلاح الأضرار التي لحقت بثلاث محطات ضخ على خط شرق-غرب قد يستغرق نحو 5 إلى 6 أسابيع، بينما أشارت تقديرات أخرى إلى إمكانية استعادة جزء من الطاقة في فترة أقصر.
وتسعى أرامكو، وفق التقارير المتداولة، إلى استعادة جزء من طاقة الخط خلال أيام، وهو ما قد يخفف من الضغوط على السوق إذا نجحت الشركة في إعادة تدفق الخام بصورة تدريجية.
المخاطر لا تتوقف عند النفط الخام
تمتد تداعيات الأزمة إلى سوق المنتجات النفطية، وعلى رأسها الديزل، الذي شهد بالفعل ضغوطاً متزايدة في الأسواق العالمية.
ويأتي ذلك مع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، بما قد يرفع تكلفة المنتجات المكررة حتى في حال تراجع سعر الخام من ذروته الأخيرة.
كما أن استمرار القيود على بعض طرق الشحن الإقليمية يزيد الحاجة إلى استخدام مسارات أطول وأكثر تكلفة، وهو ما قد ينعكس على هوامش المصافي وأسعار الوقود النهائية.
السعودية تملك احتياطيات ومسارات تصدير متعددة
رغم حساسية التطورات الحالية، تمتلك السعودية بنية تحتية واسعة تمنحها مرونة في إعادة توزيع الإمدادات. وأكدت أرامكو في نتائج الربع الأول من 2026 أن خط شرق-غرب، إلى جانب قدرات التخزين المحلية والدولية وشبكة البنية التحتية، يمثل جزءاً من منظومة المرونة التشغيلية للشركة.
لكن الأزمة الحالية كشفت في الوقت نفسه أن تحويل مسار النفط من الساحل الشرقي إلى الغربي ليس عملية تشغيلية بسيطة، خصوصاً عندما تتزامن اضطرابات خطوط الأنابيب مع مخاطر أمنية على طرق الملاحة البحرية.
الأسواق تترقب عودة «بترولاين»
وبينما تمكنت أرامكو من إعادة ترتيب جزء من صادراتها عبر الخليج وعُمان، تظل عودة خط شرق-غرب إلى العمل الكامل العامل الأكثر أهمية في تحديد مدى استمرار تأثير الأزمة.
فإذا عادت الطاقة التشغيلية للخط تدريجياً واستقرت حركة الشحن، فقد تتراجع علاوة المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط خلال الأيام الماضية. أما استمرار الهجمات أو تأخر الإصلاحات، فقد يبقي الأسواق تحت ضغط، خصوصاً مع محدودية البدائل السريعة لنقل ملايين البراميل يومياً عبر مسارات أخرى.
وفي الوقت الحالي، تظل سوق النفط العالمية أمام معادلة شديدة الحساسية: إمدادات سعودية يجري إعادة توجيهها عبر مسارات بديلة، مقابل بنية تحتية استراتيجية لا تزال خارج الخدمة، ومخاطر أمنية تضغط على طرق الإنتاج والنقل في آن واحد.