عزيزاتي القارئات، تعالوا نفتح معًا كتالوج الوهم الذكوري؛ ذلك الكتالوج الذي يبدو للوهلة الأولى كأنه دليل للرجولة، بينما هو في الحقيقة دليل طويل لأشباه الرجال، ومجموعة جاهزة من الشكوك والأوهام والتبريرات التي تُستدعى كلما قررت امرأة أن تعيش بطريقتها، أو تقول «لأ»، أو ترفض أن تكون مجرد صورة على مقاس رجل آخر.
كتالوج عجيب فعلًا؛ فيه الشك اسمه غيرة، والسيطرة اسمها خوف، والتملك اسمه حب، ورفض المرأة اسمه إهانة. غضب الرجل له ألف مبرر، بينما كلمة «لأ» واحدة من امرأة كفيلة بأن تقلب كل الصفحات.
والأعجب من الكتالوج نفسه هو طريقة استخدامه؛ ففي كل مرة تقع فيها واقعة أو يظهر خلاف بين رجل وامرأة، يبدأ البعض في فتح صفحاته الجاهزة، خصوصًا على السوشيال ميديا. بدلًا من التوقف أمام الفعل نفسه، يبدأ التفتيش في حياة المرأة: بتعمل إيه؟ كانت فين؟ مع مين؟ وليه؟ وكأن البحث عن تفاصيل حياتها يمكن أن يمنحنا تفسيرًا أو مبررًا لما حدث، وكأن حياة امرأة أخرى أصبحت فجأة ملفًا مفتوحًا أمام الجميع للتحقيق والتعليق.
والرجل الذي ترفضه امرأة لا يقف أمام الحقيقة البسيطة: هي رفضتك، وانتهى الأمر. لا، يفتح الكتالوج ويقلب صفحاته بحثًا عن تفسير يريحه من حقيقة لا يريد تقبلها: أنها ببساطة حرة في اختيارها.
فيبدأ: أصلها متكبرة، يمكن تكون اتغيرت، يمكن يكون في حد تاني، أصلها مش مقدّرة، أصلها فاكرة نفسها إيه؟
أي تفسير يصلح، إلا التفسير الواضح: إنها قالت «لأ»، وإنها حرة في اختيارها قولًا وفعلًا.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ لأن بعض الرجال لا يتعاملون مع رفض المرأة باعتباره حقًا طبيعيًا لها، بل باعتباره إهانة شخصية له. وكأن المرأة حين تختار لنفسها تكون قد ارتكبت خطأ في حقه، وكأن من حقه أن يراجع قراراتها، ويفتش في أسبابها، ويحاسبها على اختيار لا يخصه من الأساس.
وهنا تحديدًا تبدأ صفحات الكتالوج الأخطر؛ حين لا يعود الأمر مجرد شك أو غيرة أو خلاف، وإنما يتحول الوهم إلى سيطرة، والسيطرة إلى عنف. ثم تبدأ المسرحية المعتادة: بدلًا من أن نسأل عن الفعل الذي ارتكبه الرجل، نبدأ في البحث عن شيء فعلته المرأة.
وهذه ليست حكاية واحدة ولا موقفًا عابرًا. المشهد يتكرر بأشكال مختلفة؛ زوجة تتعرض للعنف، وطليقة يصبح انفصالها سببًا لصراع جديد، وبنت تُعامل وكأن حياتها وقراراتها ملك لمن حولها، وأم تجد نفسها في مواجهة عنف لا يكتفي بإيذائها، بل يضعها بعد ذلك أمام جمهور مستعد لتفتيش حياتها وكأنها المتهمة.
وهنا تظهر العبارة الأشهر: «أكيد فيه سبب».
ثم يبدأ البحث عن السبب، لكن ليس في تصرف الرجل، بل في حياة المرأة.
ماذا قالت؟ ماذا فعلت؟ لماذا تركته؟ لماذا رفضته؟ لماذا لم تسكت؟
أسئلة كثيرة جدًا، بينما السؤال الوحيد الذي يجب أن يكون واضحًا من البداية يتأخر أو يختفي: لماذا اختار أن يؤذيها؟
والأغرب أن البعض يتعامل مع الغيرة وكأنها رخصة، ومع الحب وكأنه تصريح بالسيطرة، ومع الخلاف وكأنه مبرر للعنف.
ثم تأتي السوشيال ميديا لتكمل ما بدأه الكتالوج؛ تعليق واحد يكفي ليحوّل الضحية إلى متهمة: «أكيد استفزته»، «أكيد بينهم مشاكل»، «ما هو أكيد ماعملش كده من فراغ».
وهكذا، في ثوانٍ، يتحول الرجل من شخص مسؤول عن أفعاله إلى شخص يبحث له الآخرون عن الأعذار، بينما تتحول المرأة من إنسانة تعرضت للأذى إلى ملف مفتوح للتحقيق.
وهنا لازم نقف.
لأن الاختلاف ليس جريمة، والرفض ليس إهانة، والانفصال ليس استفزازًا، والغيرة ليست مبررًا للسيطرة، والحب ليس امتلاكًا.
والمرأة لا تحتاج إلى أن تكون مثالية حتى تستحق الأمان، ولا إلى أن توافقك حتى تحترمها، ولا إلى أن تبقى معك حتى تثبت أنها «أصيلة».
يكفي أنها إنسانة؛ لها حقها في أن تختار، وفي أن ترفض، وفي أن تنهي علاقة لا تريدها، من غير أن تتحول كلمة «لأ» إلى بداية لعقاب.
وهنا بالضبط يسقط الكتالوج كله؛ لأن المشكلة لم تكن يومًا في كلمة «لأ». المشكلة في رجل لا يعرف ماذا يفعل عندما يسمعها.
عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، تذكّروا دائمًا أن الرجولة لا تُقاس بقدرة الرجل على امتلاك المرأة أو إخضاعها، وإنما بقدرته على احترام إنسانيتها وحقها في الاختيار.