حظر تمويل الذهب.. الصاغة يحتفون بالقرار وشركات التقسيط أمام اختبار جديد
في خطوة تستهدف تنظيم سوق التمويل الاستهلاكي والحد من المخاطر المرتبطة بتمويل الأصول الاستثمارية، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر تعميمًا رسميًا يحظر تمويل شراء سبائك الذهب والمشغولات الذهبية والمعادن الثمينة، بما يشمل الفضة والبلاتين، من خلال شركات التمويل الاستهلاكي.
ويأتي القرار في وقت شهد فيه سوق الذهب توسعًا في استخدام أنظمة الشراء بالتقسيط، بالتزامن مع الارتفاعات والتقلبات المتلاحقة في أسعار المعدن النفيس، ما أثار مخاوف بشأن تداعيات تمويل أصول متغيرة القيمة من خلال التزامات مالية ثابتة على المستهلكين.
الذهب أصل استثماري وليس سلعة استهلاكية
أوضح الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن المعادن الثمينة، وفي مقدمتها الذهب، تختلف في طبيعتها عن السلع الاستهلاكية التقليدية، باعتبارها أصولًا تستخدم بصورة أساسية في الادخار والاستثمار وحفظ القيمة.
ويستند القرار إلى هذا الاختلاف في طبيعة الذهب، إذ ترى الهيئة أن تمويل شراء هذه الأصول لا يندرج ضمن الغرض الأساسي الذي يستهدفه قانون التمويل الاستهلاكي، بما استدعى وقف تمويلها من خلال شركات التمويل العاملة في هذا النشاط.
مخاطر مزدوجة على المستهلك
يرتبط أحد أبرز أبعاد القرار بالمخاطر التي قد يتحملها المستهلك عند شراء أصل شديد التذبذب باستخدام التمويل.
ففي الوقت الذي يلتزم فيه العميل بسداد أقساط وتكلفة تمويل محددة، يظل سعر الذهب خاضعًا لحركة السوق، بما قد يضع المشتري أمام ضغط مالي مضاعف، خاصة في حال انخفاض قيمة الأصل مقارنة بإجمالي الالتزامات المستحقة عليه.
وتأتي هذه الخطوة كذلك في ظل النمو الكبير الذي شهده نشاط التمويل الاستهلاكي، بعدما بلغ حجم التمويل نحو 66.7 مليار جنيه خلال النصف الأول من عام 2026، وفق البيانات الواردة في المعلومات المرتبطة بالقرار.
«التكييش» في صدارة دوافع الترحيب بالقرار
حظي القرار بترحيب من جانب عدد من العاملين في سوق الذهب، الذين ربطوا بين وقف تمويل الذهب وبين الحد من ظاهرة عُرفت في السوق باسم «التكييش» أو «الكاش باك».
وكانت هذه الممارسة تقوم في بعض الحالات على شراء الذهب بنظام التقسيط من خلال شركات التمويل، ثم إعادة بيعه سريعًا باعتباره ذهبًا مستعملًا للحصول على سيولة نقدية، مع استمرار التزام المشتري بسداد الأقساط وتكلفة التمويل.
ويرى خبراء وتجار في سوق الذهب أن هذه الممارسات كانت تفرض أعباء مالية إضافية على بعض المستهلكين، فضلًا عن إمكانية مساهمتها في خلق طلب غير مرتبط بالاحتياجات الطبيعية للسوق.
ماذا يشمل حظر تمويل الذهب؟
يمتد التعميم الصادر عن الهيئة إلى مجموعة من منتجات المعادن الثمينة، وعلى رأسها سبائك الذهب والجنيهات الذهبية، إلى جانب المشغولات الذهبية بمختلف عياراتها.
كما يشمل الحظر سبائك ومشغولات الفضة والبلاتين وما في حكمها، بما يعني وقف تمويل هذه المنتجات من خلال شركات التمويل الاستهلاكي غير المصرفية.
تجار الذهب يرحبون بوقف التقسيط
انعكس القرار بصورة إيجابية على جانب من تجار الذهب، في ظل وجود شكاوى سابقة مرتبطة بآلية التسوية المالية بين التجار وشركات التمويل.
وأشارت شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات إلى أن عددًا من المحال كان قد أوقف البيع بالتقسيط بالفعل، نتيجة تأخر بعض شركات التمويل في سداد المستحقات.
وتزداد حساسية هذه المشكلة مع سرعة تغير أسعار الذهب، إذ إن تأخر حصول التاجر على مستحقاته قد يعني صعوبة تعويض الكميات المباعة بالسعر نفسه، ما يحمّله خسائر عند إعادة شراء الذهب لتجديد المخزون.
القرار يحد من تشوهات الأسعار
لا يقتصر تأثير القرار على العلاقة بين المستهلك وشركات التمويل وتجار الذهب، إذ يرى متعاملون في سوق المعادن النفيسة أن دخول شركات التقسيط إلى تجارة الذهب كان له تأثير على آليات التسعير، نتيجة إضافة الفوائد والعمولات ومصاريف الوساطة إلى تكلفة الشراء.
وبوقف التمويل الاستهلاكي لهذا النوع من السلع، قد تصبح حركة التداول أكثر ارتباطًا بالسعر الأساسي للذهب وتغيراته في الأسواق العالمية والمحلية، بدلًا من تأثر السعر النهائي بتكاليف التمويل المرتبطة بعمليات التقسيط.
شركات التمويل أمام إعادة ترتيب النشاط
في المقابل، يفرض القرار تحديًا على شركات التمويل الاستهلاكي التي استفادت من الطلب على شراء الذهب بالتقسيط، خصوصًا مع ارتفاع أسعار المعدن النفيس وزيادة إقبال بعض العملاء على استخدام أنظمة التمويل لشراء المشغولات والسبائك.
ويأتي ذلك بالتزامن مع توجه الرقابة المالية إلى تشديد الضوابط المتعلقة بالتمويل الاستهلاكي وإدارة مخاطر الائتمان، بما في ذلك تعزيز الربط اللحظي مع نظام الاستعلام الائتماني «آي سكور»، بهدف تحسين القدرة على تقييم العملاء والحد من مخاطر التعثر.
ماذا بعد حظر تمويل الذهب؟
يفصل القرار بين مسارين كانا قد تداخلا خلال الفترة الماضية: شراء الذهب باعتباره سلعة استهلاكية من ناحية، والتعامل معه كأصل ادخاري واستثماري من ناحية أخرى.
وبينما يغلق الحظر باب التمويل الاستهلاكي المباشر لشراء السبائك والمشغولات والمعادن الثمينة، يظل تأثير القرار على السوق مرتبطًا بمدى قدرة المتعاملين على استخدام القنوات الرسمية الأخرى لشراء الذهب والاستثمار فيه، وبمدى تراجع الممارسات التي ارتبطت بالتمويل بغرض الحصول على سيولة نقدية سريعة.
ومن المنتظر أن ينعكس وقف هذا النوع من التمويل أيضًا على أنماط الطلب داخل سوق الذهب، خاصة مع خروج شريحة من الطلب الذي كان يعتمد على الائتمان، وهو ما يجعل الفترة المقبلة مهمة لرصد تأثير القرار على حركة المبيعات والتسعير وسلوك المستهلكين.