رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ممكن تصحى الصبح تلاقي نفسك وزير… وقرارات اتاخدت باسمك وإنت ماخدتش بالك! وممكن تفتح الموبايل تلاقي نفسك فنان، وعشت قصة حب، أو خناقة، أو موقف كامل… وإنت أصلًا ماعشتش حاجة من دي!

ولو كنت رحلت عن الدنيا، فأنت كده سهّلتها عليهم… سهّلتها على اللي بيحكي، واللي بيكتب، واللي يحب يضيف من عنده، لأنك مش موجود علشان تقول: «استنى يا أستاذ… الكلام ده ماحصلش!»

وأخطر ما في الحكاية إن المعلومة أحيانًا بتتعمل كأنها خلطة تحابيش: نص حقيقة، تاخد جنبها تفصيلة تانية مالهاش أساس، وتحط فوقها تفصيلة كذب، فتطلع لك في الآخر حكاية كاملة شكلها مقنع، والناس تتعامل معاها كأنها حقيقة موثقة. وهنا لازم نسأل: مين قال؟ فين الدليل؟ إيه المصدر؟ وهل الكلام اتقال كامل، ولا اتقص منه الجزء اللي يخدم القصة؟

ومن أسبوع تقريبًا، لفت نظري على نفس الصفحة اللي عندها ملايين المتابعين والمشاهدات، بوست عن الفنان رشدي أباظة، كانت فيه معلومة حقيقية، لكن جنبها تفاصيل عن والدته، وواقعة ضرب نادية لطفي للطبيب، وطلب تشريح جثمانه. رجعت وراء التفاصيل دي وبحثت بنفسي، فوجدت إن بعضها روايات غير موثقة، وبعضها لم أجد له سندًا يعتمد عليه. وبعدها لقيت على الصفحة نفسها كلامًا عن الفنانة فاتن حمامة، ولما رجعت أبحث وأراجع المعلومات، اكتشفت أيضًا وجود تفاصيل مغلوطة لا تتفق مع المصادر المتاحة.

المشكلة هنا مش في بوست واحد… المشكلة إن الخلطة دي لما تتكرر، الناس بتبدأ تحفظها كأنها تاريخ. نص حقيقة، على شوية دراما، على شائعة… وفجأة تبقى حكاية كاملة يصدقها الملايين.

ولأن الحكاية الغريبة بتشدنا أسرع من المعلومة الهادية، بنصدق أحيانًا قبل ما نسأل: مين قال؟ وفين المصدر؟

والأخطر إننا مش بنشوّه معلومة وبس… إحنا ممكن نعيد كتابة حياة أشخاص لمجرد إن رواية عجبتنا. الفنان مش شخصية في قصة نكمّلها من خيالنا، والشخصية المصرية، حية أو راحلة، مش مباحة إن سيرتها تتكتب بالاجتهاد. لأن كل تفصيلة بنضيفها من غير دليل، ممكن تتحول بعد شوية إلى «حقيقة» يتناقلها الناس، وييجي حد بعد سنين يدور عليها، فيلاقيها موجودة في عشرات الصفحات، فيفتكر إن تكرارها هو الدليل عليها.

ودورنا كإعلاميين مش بس ننقل المعلومة… دورنا كمان نكشف المغالطة ونوثّق الحقيقة. لأن تاريخ الفن والموسيقى والتراث لازم يتكتب بالمصادر، مش بالترند.

علشان كده، التوثيق مش رفاهية. وثيقة أو تسجيل موثوق ممكن يمنع حكاية كاملة من إنها تتحول إلى تاريخ مزيف.

إحنا مش بنتسلى… إحنا بنكتب ذاكرة بلد. فمتستعجلش تبقى أول واحد يقول. خليك أول واحد يتأكد.

عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة… الحكاية مش إننا ضد التكنولوجيا، الحكاية إننا ضد استخدام التكنولوجيا غلط. والحكاية أكبر من كده… الحكاية إزاي نحمي عقولنا وتاريخنا من إنه يتحول لمجرد بوست مجهول النسب، وتاريخ مزيف.

فقبل ما تحكي، اتأكد، وقبل ما تصدق، اسأل، وقبل ما تنشر، افتكر إن الكلمة اللي بتكتبها النهارده ممكن بكرة تبقى وثيقة عند حد تاني.

وما تخليش حد يستغفلك… ثقّف نفسك، راجع، ودَوّر ورا المعلومة. هتتعب شوية.

وأفتكر جملة الراحل غسان مطر: «اعمل الصح».

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء