كُتب عليه العذاب..كيف تحول فضل شاكر من فنان محبوب إلى «متطرف»
أوجه شبه كبيرة بين ما عاشه الملحن الراحل بليغ حمدي، والأحداث الدرامية الموجعة في معاناة الفنان اللبناني فضل شاكر، ففضل كان دائما يتحدث عن عشقه لبليغ وأعماله إلى أن طاله شيئا من أوجاعه، فبين يوم وليلة عداه الوسط الفني وتنصل أقرب الناس وتركوه وحيدا في يعاني العزلة الفنية والصراع النفسي والمطاردات الأمنية وانتظار الأحكام العسكرية.
فضل شاكر، جمع بين الموهبة الكبيرة، والطفولة القاسية، والصراع النفسي، ثم الانحدار نحو التطرف والغياب، قبل أن يُطل مجددًا اليوم بوجهٍ جديد، بعد أن سلّم نفسه للسلطات اللبنانية في خطوة وصفت بأنها بداية صفحة جديدة في حياته.
طفولة قاسية.. "أبويا خدني من إيدي وسلّمني للملجأ"
وفي حديث صادم أدلى به فضل شاكر عبر برنامج وثائقي بعنوان "يا غايب" على منصة "شاهد"، كشف الفنان الرومانسي لأول مرة تفاصيل طفولته القاسية التي شكلت ملامح شخصيته وجراحه العميقة التي عاشها منذ الصغر.
وقال شاكر بصوت تغلبه الحسرة: “شوفت الموت بعيني وأنا عندي سبع سنين، لما أبويا خدني من إيدي وسلمني للملجأ، كنت فاكر إن الأطفال لما بيتموا السبع سنين لازم يعيشوا في ملجأ، ما كنتش فاهم ليه، بس كنت بنام جعان وخايف ووحيد”.
وأضاف: “أصعب حاجة في الدنيا إن أهلك يكونوا عايشين ويتخلّوا عنك، ده وجع ما بيتنساش، الوجع الحقيقي مش الجوع، الوجع هو الوحدة والتخلي”.
من تلك السنوات المبكرة تكوّن داخله شعور دائم بالحرمان، وكان يجد في الأغاني عزاءً له من قسوة الحياة، ووصف ذلك معلقًا: “كنت بحب أم كلثوم وعبدالوهاب، وأبويا كان دايمًا يشغّل أغانيهم… ومن هنا بدأت قصة حبي للمزيكا”.
من الملجأ إلى النجومية… ثم السقوط المفاجئ
وبعد أن خرج من الملجأ، عمل فضل شاكر في مهن بسيطة مثل السباكة والجزارة، إلى أن اكتُشف صوته بالصدفة في أحد الأفراح الشعبية،
ومن تلك اللحظة، بدأ صعوده الصاروخي ليصبح أحد أبرز الأصوات العربية في مطلع الألفية، بأغنيات مثل يا غايب، لسّه الحالة طالعة، وبين إيديك.
وكانت زوجته نادية التي وصفها بأنها "حب حياته الحقيقي" هي السند الأقرب له، إذ وقفت بجانبه في بداياته الصعبة، قبل أن يحقق الشهرة والثروة.
ولكن خلف الأضواء، ظلّ فضل شاكر يحمل داخله جرح الطفولة وهاجس الخوف من الخذلان، وهو ما انعكس على كثير من قراراته لاحقًا.
التحول المثير للجدل.. من صوت الحب إلى صوت السلاح
وفي عام 2012، ومع اشتعال الأزمة السورية، فاجأ فضل شاكر جمهوره بظهوره إلى جانب الشيخ أحمد الأسير في مدينة صيدا، معلنًا اعتزاله الغناء وتفرغه للدين.
وكان تحوّله المفاجئ من فنانٍ محبوب إلى رجلٍ متشدد صدمة للرأي العام العربي، خاصة بعدما اتُهم بالمشاركة في اشتباكات عبرا عام 2013 ضد الجيش اللبناني.
وبينما كان القضاء اللبناني يصدر أحكامًا غيابية بحقه، عاش شاكر سنوات من العزلة داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، حيث واجه التهديدات والضغوط النفسية والعزلة الاجتماعية.
من التشدّد إلى التوبة... وعودة الصوت الحزين
ورغم العزلة، لم يستطع فضل شاكر أن يقتل الفنان بداخله، فعاد تدريجيًا للغناء من داخل المخيم عبر تسجيلات محدودة، خلال موسم 2025، أطلق أغنيته الجديدة "صحاك الشوق" التي شكّلت إعلان عودته الرسمية إلى الساحة الفنية بعد غياب أكثر من عشر سنوات.
وتزامن ذلك مع صدور حكم ببراءته من تهمة الاشتباك مع الجيش اللبناني، لتُفتح أمامه أخيرًا نافذة جديدة نحو الحياة الطبيعية والفن.
نهاية فصل وبداية آخر في حياة فضل شاكر
واليوم، سلّم فضل شاكر نفسه رسميًا إلى السلطات العسكرية اللبنانية، في خطوة تهدف إلى طي صفحة الماضي وبدء حياة جديدة، كما تؤكد
مصادر مقربة منه أنه يريد مواجهة القضاء بنفسه وتبرئة اسمه بالكامل، بعد سنوات من الخوف والاختباء.
وانقسم الجمهور بين من يراه ضحية ظروف قاسية وطفولة موجعة، ومن يعتبره مسؤولًا عن خياراته، لكن لا يختلف اثنان على أن فضل شاكر هو أحد أكثر الفنانين العرب الذين عاشوا حياةً تصلح لفيلم درامي مكتمل الفصول من الملجأ، إلى المسرح، إلى ساحة المعركة، ثم العودة إلى النور.
وفي النهاية، تبقى أغنية "يا غايب" أكثر من عمل فني لفضل شاكر؛ إنها عنوان سيرته ووجعه وأمله في الوقت ذاته، فهي تعبّر عن الطفل الذي لم يفهم يومًا لماذا تركوه، وعن الرجل الذي لا يزال يبحث عن سلامٍ داخلي بعد حياة مليئة بالضياع والمفاجآت.