لم تعد التصنيفات الدولية للجامعات مجرد سباق سنوي على رقم أو ترتيب، وإنما أصبحت إحدى أدوات قياس القدرة التنافسية لمؤسسات التعليم العالي، وكفاءة البحث العلمي، والحضور الدولي، والسمعة الأكاديمية، وتأثير الإنتاج البحثي. والقراءة المتأنية لأحدث نتائج الجامعات المصرية تكشف حقيقة تستحق الاهتمام: مصر توسع حضورها في عدد من التصنيفات الدولية، لكن حركة الجامعات داخل هذه التصنيفات ليست متساوية؛ فهناك جامعات تتقدم، وأخرى تستقر، وثالثة تتراجع نسبيًا أمام منافسين يتحركون بسرعة أكبر.
QS 2026.. القاهرة في الصدارة وعين شمس تحقق قفزة واضحة
في تصنيف QS World University Rankings 2026 جاءت جامعة القاهرة في المرتبة 347 عالميًا مقابل 350 في نسخة 2025، لتحتفظ بموقعها المتقدم مصريًا. وجاءت الجامعة الأمريكية بالقاهرة في المرتبة 381 بعدما كانت 410، أي أنها حققت تقدمًا لافتًا بنحو 29 مركزًا.
أما جامعة عين شمس فكانت من أبرز قصص الصعود في هذه النسخة، إذ انتقلت من المرتبة 592 في 2025 إلى 542 في 2026، محققة تقدمًا قدره 50 مركزًا. كما تقدمت جامعة الإسكندرية من الفئة 801–850 إلى 781–790 عالميًا.
هذه الأرقام مهمة لأنها تؤكد أن تحسين الموقع الدولي ليس حكرًا على نموذج واحد من الجامعات؛ فالقائمة تضم جامعات حكومية عريقة إلى جانب الجامعة الأمريكية، ولكل منها نموذج مختلف في الإدارة والبحث والتدويل.
عين شمس.. قفزة في «التايمز» ولكن شنغهاي يقدم صورة أكثر تعقيدًا
تتضح أهمية عدم الاعتماد على تصنيف واحد عند تقييم الجامعات من تجربة جامعة عين شمس نفسها. ففي Times Higher Education World University Rankings 2026 انتقلت الجامعة من الفئة 1001–1200 إلى 801–1000، أي تقدمت فئة كاملة تعادل نحو 200 مركز من حيث نطاقات التصنيف.
لكن الصورة تختلف عند الانتقال إلى أحدث تصنيف شنغهاي ARWU لعام 2026؛ إذ جاءت عين شمس في الفئة 701–800 بعد وجودها في الفئة 601–700 عام 2025.
وهنا تظهر قاعدة أساسية في قراءة التصنيفات: الجامعة قد تتقدم في نظام وتتراجع في آخر دون وجود تناقض، لأن منهجيات القياس والأوزان والمؤشرات تختلف من تصنيف إلى آخر.
القاهرة.. الصدارة المصرية مستمرة رغم تغير مواقعها بين التصنيفات
تظل جامعة القاهرة صاحبة حضور قوي في عدد من أهم التصنيفات العالمية. ففي QS 2026 جاءت في المرتبة 347 عالميًا، بينما حافظت في شنغهاي 2026 على صدارة الجامعات المصرية للعام الخامس على التوالي، داخل الفئة 401–500 عالميًا.
وتكشف المقارنة الزمنية نقطة جديرة بالدراسة؛ فقد كانت القاهرة في الفئة 301–400 في شنغهاي 2024، ثم أصبحت ضمن 401–500 في 2025 وحافظت على هذه الفئة في 2026.
لكن ذلك لا يعني ببساطة «تراجع الجامعة ككل»، وإنما يعني تراجع موقعها النسبي وفق منهجية شنغهاي تحديدًا، وهي منهجية شديدة التركيز على البحث العلمي عالي التأثير، والباحثين الأعلى استشهادًا، والنشر في Nature وScience، إلى جانب مؤشرات أكاديمية وبحثية أخرى.
التايمز 2026.. ثلاث جامعات مصرية في الفئة 601–800
تكشف نتائج Times Higher Education World University Rankings 2026 جانبًا آخر من الخريطة المصرية؛ إذ جاءت الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة كفر الشيخ ضمن الفئة 601–800 عالميًا.
وفي الفئة 801–1000 ظهرت مجموعة من الجامعات المصرية الكبرى، من بينها عين شمس والأزهر والإسكندرية والقاهرة والمستقبل والمنصورة.
لكن القراءة العلمية تقتضي أيضًا تسجيل الاتجاهات السلبية؛ فالجامعة المصرية اليابانية انتقلت من الفئة 501–600 إلى 601–800، كما انتقلت جامعتا المستقبل والمنصورة من 601–800 إلى 801–1000. وبالتالي فإن اتساع الحضور المصري يجب ألا يحجب ضرورة دراسة أسباب الحركة النسبية لكل جامعة على حدة.
شنغهاي 2026.. ست جامعات مصرية فقط بين أفضل ألف جامعة
أحدث نتائج ARWU 2026 تضع ست جامعات مصرية ضمن أفضل ألف جامعة عالميًا. جاءت القاهرة في الفئة 401–500، ثم الإسكندرية والمنصورة في 601–700، ثم عين شمس والأزهر في 701–800، والزقازيق في 901–1000.
والأكثر أهمية أن الأرقام التفصيلية المنشورة تظهر قوة الإنتاج البحثي المصري؛ فقد سجل مؤشر المنشورات العلمية PUB نحو 39.1 نقطة للقاهرة، و32.9 للمنصورة، و31.9 للإسكندرية، و31.2 لعين شمس، و29.2 للأزهر، و26.5 للزقازيق.
كما سجلت عين شمس أعلى معدل نمو مصري في مؤشر الأبحاث المنشورة في Nature وScience، وهي إشارة مهمة إلى أن التحسن في جودة البحث قد يسبق أحيانًا انعكاسه الكامل على الترتيب الإجمالي.
من ثماني جامعات إلى ست.. إنذار يستحق الدراسة لا التهويل
المقارنة التاريخية هنا مهمة للغاية. ففي شنغهاي 2024 كان لمصر ثماني جامعات بين أفضل ألف جامعة عالميًا، بينما انخفض العدد إلى ست جامعات في 2025، واستقر عند ست في 2026.
خرجت جامعتا طنطا وقناة السويس من قائمة الألف الأولى بعد وجودهما في نسخة 2024، وهو أمر يستحق دراسة مؤسسية هادئة لمعرفة المؤشرات التي أدت إلى الخروج وكيفية استعادة موقعيهما.
فالهدف من التصنيفات الدولية ليس الاحتفال بمن تقدم أو توجيه اللوم لمن تراجع، وإنما تحويل البيانات إلى أداة لتحسين القرار الجامعي.
التصنيف ليس شهادة نجاح أو رسوب
أخطر ما يمكن أن نفعله هو اختزال جودة جامعة كاملة في رقم واحد. QS يمنح وزنًا لمؤشرات السمعة الأكاديمية وسمعة الخريجين لدى أصحاب العمل والاستشهادات والتدويل وغيرها، بينما يعتمد التايمز على مجموعة من مؤشرات التدريس والبيئة البحثية وجودة البحث والصناعة والانفتاح الدولي، في حين يمنح شنغهاي ثقلاً كبيرًا للتميز البحثي عالي المستوى.
لذلك فإن جامعة قد تكون قوية في التعليم الطبي أو الهندسة أو الاستدامة أو الارتباط بالصناعة، بينما لا يظهر ذلك بالقوة نفسها في ترتيبها العام.
أسيوط نموذج مهم لفكرة «التصنيف حسب المجال»
جامعة أسيوط تقدم مثالًا مهمًا على ضرورة تجاوز الرقم الإجمالي. ففي تصنيف التايمز العالمي 2026 جاءت الجامعة في الفئة 1201–1500 إجمالًا، لكن أداءها يرتفع بصورة واضحة عند تحليل المجالات؛ إذ جاءت في العلوم الطبية والصحية ضمن 801–1000، وعلوم الحاسب 601–800، والهندسة 601–800، وعلوم الحياة 501–600.
كما تظهر الجامعة في تصنيفات الاستدامة في مواقع أفضل بكثير في عدد من أهداف التنمية المستدامة.
وهذا يعني أن التخطيط الجامعي الأكثر كفاءة يجب أن يبدأ بتحديد نقاط القوة التخصصية لكل جامعة، ثم تحويلها إلى مراكز تميز قادرة على المنافسة عالميًا، بدل التعامل مع جميع الجامعات المصرية بالوصفة نفسها.
من «ترتيب الجامعات» إلى «سياسة وطنية للتنافسية الجامعية»
ما تحتاجه المرحلة المقبلة ليس سباقًا إعلاميًا بين الجامعات حول من تقدم عشرة مراكز ومن تراجع عشرين، وإنما مرصد وطني دائم للتصنيفات والتنافسية الجامعية يقرأ البيانات سنويًا ويحلل أسباب الصعود والتراجع لكل مؤسسة.
ويمكن لهذا المرصد أن يبني لوحة مؤشرات لكل جامعة تشمل جودة النشر وليس عدده فقط، ونسبة الأبحاث الواقعة ضمن الأعلى استشهادًا عالميًا، والنشر في الدوريات عالية التأثير، والتعاون الدولي، وبراءات الاختراع، والتمويل البحثي التنافسي، وعلاقة الجامعة بالصناعة، وتشغيل الخريجين، ونسبة الباحثين الدوليين، والاستفادة الفعلية من أعضاء هيئة التدريس المصريين بالخارج.
الأهم أن ترتبط هذه المؤشرات بخطة تحسين متعددة السنوات، بحيث تعرف كل جامعة موقعها الحالي، والمجالات التي تتفوق فيها، ونقاط ضعفها، والهدف الواقعي المطلوب الوصول إليه خلال ثلاث وخمس وعشر سنوات.
الخلاصة.. مصر تتقدم في الحضور الدولي ولكن معركة الجودة لم تُحسم
المشهد المصري يحمل مؤشرات إيجابية حقيقية لا ينبغي التقليل منها: جامعات مصرية عريقة تحافظ على وجودها العالمي، جامعات أخرى تحقق قفزات ملموسة، وتخصصات مصرية تصل إلى مواقع متقدمة، كما أصبح مفهوم التصنيف الدولي جزءًا من التفكير المؤسسي داخل قطاع التعليم العالي.
لكن الصورة نفسها تحمل رسالة أكثر أهمية: التقدم غير متساوٍ، والاستمرار أصعب من الوصول، والمنافسة العالمية تتسارع.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجامعات المصرية في السنوات المقبلة ليس: «ما ترتيبنا هذا العام؟»، بل: «أي عنصر في منظومة الجامعة تحسن فعلًا حتى تقدم ترتيبنا؟ وأي عنصر تراجع؟ وكيف نحول التصنيف من خبر سنوي إلى أداة لاتخاذ القرار؟»
إذا نجحت الجامعات المصرية في الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام والحوكمة والتمويل التنافسي والبحث عالي التأثير، فلن تصبح التصنيفات الدولية مجرد مرآة نقيس أمامها موقعنا، بل ستتحول إلى بوصلة تساعد مصر على بناء جامعات أكثر قدرة على إنتاج المعرفة والمنافسة عالميًا.