رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إفك ما تفعلون

أميمة نظمي
أميمة نظمي

يطل علينا كل يوم تقريبا بطل مغوار جديد، يتقلد منصبا رفيعا، فتُفتح له الأبواب، وتُفرش أمامه الملفات، وتبدأ مرحلة جديدة من الأمل… أو هكذا يُفترض.
وبما أنه غالبا من خارج النطاق ولايعرف شيئا عن المكان الذي أصبح مسؤولا عنه، وبما أنه يريد ــ وهذا حقه ــ أن يثبت أنه جدير بهذا المنصب، تُرتب له دولته العميقه الزيارات الميدانية.والحمله الدعائيه له ولماضيه المضئ ومسيرته العطره 
زيارة إلى مستشفى حكومي…
وزيارة إلى شارع…
وزيارة إلى حي…
وزيارة إلى مدرسة قبل بدء العام الدراسي بأيام.
وما إن يصل سيادته حتى تبدأ المفاجأة الكبرى والاندهاش العظيم ..
مستشفى متهالك، أطباء يعملون تحت ضغوط لا تحتمل، مرضى يفترشون الأرض، وأهالٍ يحملون همومهم قبل اولادهم
او ينتقل المشهد إلى الشارع.
مخالفات وتعديات وإشغالات وفوضى.
والمسؤول مذهول!
يضع يده على رأسه، أو يقطب جبينه، أو يسأل السؤال العظيم:
مين المسؤول عن ده؟!”والكاميرا جاهزة طبعًا.
او زيارة لمدرسه لزوم إثبات الحماس والإخلاص 
قبل أيام قليلة تفصلنا عن بدء الدراسة، والمسؤول يدخل فيرى ما نعرفه منذ سنوات: فصول تحتاج إلى صيانة، مقاعد متهالكة، حمامات لا تصلح، ونقص شديد في الإمكانات.
وهنا تبدأ الحبكة الدرامية.والتصعيد الدرامي للسيناريو
دهشة…
غضب…
تنديد…
وعيد…
وتوجيهات عاجلة.( الشئ لزوم الشئ)
والمخرج، الذي يبدو أنه يعرف تفاصيل السيناريو جيدًا، يلتقط اللقطة المناسبة: المسؤول واقف مذهولًا أمام هول ما رأى، وكأن المكان اكتُشف للتو، وكأن أحدًا لم يخبره أن هذه المشكلات موجودة. او كأنه من بلاد الفرنجة 
لكن احيانا تكمن المفاجآت في صوره تقلب السحر علي الساحر إذا ببعض العاملين حاولوا إصلاح ما يستطيعون إصلاحه من أموالهم الخاصة، أو بضمائرهم وجهدهم، لأنهم ببساطة حملت ضمائرهم مسؤليه العمل الجاد المحترم 
لكن ( الكلام ده مش موجود في السيناريو )
هنا قد تنقلب الرواية!
بدلًا من أن يكون هؤلاء نموذجًا للضمير والمسؤولية، يصبح السؤال:
مين سمح لكم تعملوا كده؟”
ولماذا؟ وعليكم بالاثباتات والمستندات
ولأن الصورة الدرامية لا تكتمل إلا إذا كان هناك مذنب.

لا بد من شخص يُلام أمام الكاميرا.
طبيب.موظف.مدرس.رئيس حي.صاحب محل.
أي أحد… المهم أن تكتمل اللقطة.

ثم ينتهي المشهد.
المسؤول يرفع صوته، ويوجه اللوم، ويطلق الوعود، ويؤكد أنه لن يسمح، وأنه سيتابع، وأن الأمور ستتغير.
ثم يعود إلى مكتبه الفخم الأنيق.
وتنتهي الحلقة.والي اللقاء في الحلقه القادمه !!
حفظنا السيناريو عن ظهر قلب بالرغم من تغير الأبطال والظروف والأماكن 
وبعد أيام أو أسابيع، يعود كل شيء إلى ما كان عليه.
الإهمال يسود.
والفساد يطغى.
والمواطن يدفع الثمن.
و يموت كل يوم مئات المرات؛ مرة أمام باب مستشفى، ومرة في طابور، ومرة بحثًا عن خدمة بسيطة، ومرة وهو يرى حقه يضيع أمام عينيه ولا يجد من يسمعه.
نحن في أحيان كثيرة لا نعيش بمنظومة تعمل بكفاءة، بقدر ما نعيش ــ بعد فضل الله ــ بالستر، وبالتحمل، وبالدفع الذاتي، وبمجهود موظف شريف هنا، وطبيب مخلص هناك، ومواطن يحاول أن يصلح ما يستطيع إصلاحه بيده.
والحقيقة التي يعرفها كل مسؤول، أو ينبغي أن يعرفها، أن كثيرًا من هذه المشكلات ليست وليدة الأمس.
هي ليست مفاجآت.
هي ليست أسرارًا اكتشفها المسؤول لحظة دخوله المستشفى أو المدرسة أو الشارع.
هي مشكلات يعرفها الناس، ويتحدثون عنها، ويعيشونها كل يوم.
فلماذا نعيد تمثيل الدهشة؟
ولماذا نحتاج إلى كاميرا ترصد ان هناك أزمة؟
ولماذا يصبح إثبات جدارة المسؤول بالمنصب مرتبطًا بعدد المرات التي يندهش فيها أمام مشكلة يعرفها المواطن منذ سنوات؟
يا سادة…
ارحمونا من دراما المسؤول الغاضب.
ارحمونا من السيناريو القديم.
لا نريد مسؤولًا يكتشف أن المستشفى متهالك بعد أن يتولى منصبه.
نريد مسؤولًا يدخل مكتبه وقد قرأ الملفات، وعرف الأزمات، واستمع إلى الناس، ووضع خطة، ويعرف من أين يبدأ وإلى أين يريد أن يصل.
لا نريد مشهدًا جديدًا أمام الكاميرا.
نريد تغييرًا حقيقيًا بعد أن تنطفئ الكاميرا.
لا نريد وعودًا تُقال بصوت مرتفع.
نريد نتائج يمكن أن يلمسها المواطن بصوت منخفض.
ولا نريد أن يُبحث كل مرة عن موظف أو طبيب أو مواطن ليكون كبش فداء حتى تكتمل الصورة.
ابحثوا عن أصل المشكلة.
فتشوا عن السنوات التي صنعتها.
عن القرارات التي عطلتها.
عن المال الذي لم يصل.
عن الإدارة التي قصرت.
عن القانون الذي لم يُطبق.
عن المسؤول الذي كان يجب أن يعرف ولم يعرف، أو عرف ولم يتحرك.
أما أن يأتي مسؤول جديد، فيرى ما نراه كل يوم، ثم يصور لنا دهشته، ويغضب أمام الكاميرات، ويعود إلى مكتبه منتظرًا الحلقة القادمة…
فهذا لم يعد يقنع أحدًا. لقد مللنا من التكرار والاعاده ولانصدق. ولن نصدق 
فغيروا السيناريو… أو الأفضل من ذلك: أوقفوا التمثيل وابدأوا العمل

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء