رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي يقتربون من حل مسألة رياضية عمرها عقود

إيجبتكِ

أعلنت شركة OpenAI عن تقدم جديد في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي لحل المسائل الرياضية المعقدة، بعدما كشفت أن نموذجًا تجريبيًا غير معلن عنه تمكن، بحسب الشركة، من التوصل إلى برهان يتعلق بمسألة Navier-Stokes، إحدى أشهر المسائل الرياضية المفتوحة التي ما زالت محل بحث منذ عقود.

وجاء الإعلان في وقت تتسابق فيه شركات ومختبرات الذكاء الاصطناعي على تطوير نماذج قادرة على التعامل مع مشكلات علمية تتطلب مستويات مرتفعة من الاستدلال، إلا أن النتيجة أثارت في الوقت نفسه نقاشًا حول مصادر المعرفة التي اعتمد عليها النموذج ومدى استقلالية الحل الذي توصل إليه.

نموذج جديد وقدرات حسابية واسعة

بحسب OpenAI، فإن النموذج المستخدم في التجربة يتفوق في قدراته الرياضية على نموذج GPT-6 Astra، وتم تشغيله من خلال منظومة واسعة ضمت نحو 10 آلاف وكيل من وكلاء الذكاء الاصطناعي.

وعمل هؤلاء الوكلاء بصورة متوازية على المشكلة لمدة وصلت إلى 88 ساعة، وتبادلوا نحو 2.7 مليون رسالة، فيما بلغ حجم المخرجات نحو 130 مليار رمز، وهي أرقام تعكس حجم الموارد الحاسوبية التي خصصتها الشركة لهذه التجربة.

وقالت الشركة إن العمل بدأ في الأول من سبتمبر، ولم تكن تتوقع في البداية أن يتمكن النموذج من الوصول إلى حل لأي من المسائل التي جرى اختبارها. لكن بعد نحو 50 ساعة، أظهر النظام تقدمًا لافتًا في مسألة مرتبطة بمعادلات Navier-Stokes، ما دفع فريق البحث إلى زيادة القدرة الحاسوبية المخصصة للمهمة ورفع عدد الوكلاء المشاركين من نحو 100 إلى 10 آلاف.

وأوضحت OpenAI أن النتيجة النهائية اكتملت بعد 88 ساعة، قبل أن تخضع في اليوم التالي لعملية تحقق باستخدام الحاسوب.

لماذا تعد مسألة Navier-Stokes مهمة؟

ترتبط مسألة Navier-Stokes بمعادلات رياضية طُورت في القرن التاسع عشر على يد العالمين كلود-لويس نافير وجورج غابرييل ستوكس، وتستخدم لوصف حركة السوائل والغازات.

وتدخل هذه المعادلات في عدد كبير من التطبيقات العلمية والهندسية، من بينها دراسة حركة الهواء حول الطائرات، ونمذجة الظواهر الجوية، وفهم حركة السوائل داخل الجسم، بما في ذلك تدفق الدم.

أما المشكلة التي تحمل اسم Navier-Stokes، فتتعلق بسؤال أساسي حول طبيعة حلول هذه المعادلات في ثلاثة أبعاد. ويتركز التحدي على معرفة ما إذا كانت الحلول التي تبدأ بصورة منتظمة وملساء تظل كذلك مع مرور الوقت، أم يمكن أن تصل في مرحلة ما إلى حالة من التفرد أو الانهيار الرياضي خلال فترة زمنية محدودة.

وبحسب ما أعلنته OpenAI، يشير البرهان الذي توصل إليه نموذجها إلى إمكانية حدوث هذا النوع من التفرد، وهو ما يمثل نتيجة بالغة الأهمية إذا أثبت علماء الرياضيات صحتها بصورة مستقلة.

أرقام ضخمة وراء التجربة

لم تعتمد التجربة على وكيل ذكاء اصطناعي واحد يعمل بصورة منفردة، وإنما على عدد كبير من الوكلاء الذين شاركوا في البحث وتبادلوا الأفكار والنتائج خلال فترة التجربة.

ووصل إجمالي الرسائل المتبادلة بين الوكلاء إلى ملايين الرسائل، بينما تجاوز حجم الرموز المستخدمة 130 مليار رمز. كما قدرت الشركة تكلفة الموارد الحاسوبية المستخدمة في التجربة بملايين الدولارات.

وترى OpenAI أن هذه التجربة تعكس اتجاهًا جديدًا في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، يقوم على توزيع المهام البحثية بين عدد كبير من الوكلاء، بحيث يعمل كل منهم على جوانب مختلفة من المشكلة قبل تجميع النتائج ومحاولة الوصول إلى صياغة نهائية.

تساؤلات حول مصادر المعرفة

لكن الإعلان لم يمر دون جدل، إذ أثار عالم الرياضيات تريستان باكماستر، الأستاذ في جامعة نيويورك، تساؤلات حول احتمال استفادة النموذج من أبحاث مرتبطة بعمل كان يجريه مع عالم الرياضيات ليفنت ألبوج، الباحث في شركة Anthropic.

وأشار باكماستر إلى وجود أوجه تشابه بين النهج الذي تحدثت عنه OpenAI للوصول إلى النتيجة وبين أبحاث كان يعمل عليها مع ألبوج بالاستعانة بأدوات ذكاء اصطناعي من بينها Codex وClaude.

وأدى ذلك إلى ظهور تساؤلات بشأن احتمال وصول النموذج إلى جلسات أو بيانات مرتبطة بهذه الأبحاث، أو الاستفادة منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة خلال عملية التدريب أو تحسين النماذج.

OpenAI توضح موقفها

من جانبها، نفت OpenAI أن يكون الباحثون أو وكلاء الذكاء الاصطناعي المشاركون في التجربة قد اطلعوا على أعمال باكماستر وألبوج قبل نشرها بصورة علنية.

وأكدت الشركة كذلك أن النظام لم يصل إلى بيانات مستخدمين محددة بهدف حل المسألة، لكنها أشارت إلى أنها لا تستطيع استبعاد احتمال مساهمة بيانات مجهولة الهوية ناتجة عن استخدام منتجاتها في تحسين نماذجها، مع تأكيدها أن احتمال حدوث ذلك في هذه الحالة غير مرجح.

ويضيف هذا الجدل بُعدًا آخر إلى النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، خصوصًا فيما يتعلق بمصادر البيانات، وحقوق أصحاب الأبحاث، والحد الفاصل بين الاستفادة من المعرفة المنشورة وإعادة إنتاج نتائج بحثية سابقة.

هل اقترب الذكاء الاصطناعي من حل إحدى مسائل الألفية؟

تعد Navier-Stokes واحدة من سبع مسائل رياضية اختارها معهد كلاي للرياضيات ضمن ما يعرف بـ«مسائل الألفية» عام 2000، وخصص المعهد جائزة مالية تبلغ مليون دولار للحل الصحيح لكل مسألة منها.

وحتى الآن، كانت حدسية بوانكاريه هي الوحيدة التي أُعلن حلها من بين هذه المسائل، بعدما قدم عالم الرياضيات الروسي غريغوري بيرلمان برهانًا عليها، قبل أن يرفض لاحقًا الحصول على الجائزة المالية.

وفي حال أكد المجتمع الرياضي صحة البرهان الذي أعلنت عنه OpenAI، فإن ذلك سيمثل ثاني مسألة من مسائل الألفية يتم حلها، كما سيكون أول إنجاز من هذا النوع ينسب بصورة مباشرة إلى نظام ذكاء اصطناعي.

ومع ذلك، فإن إعلان الشركة لا يعني أن المسألة أصبحت محسومة رياضيًا بالفعل، إذ يتطلب اعتماد أي برهان في هذا المستوى إخضاعه لفحص دقيق ومستقل من جانب متخصصين في الرياضيات، وهو ما يمثل المرحلة الأهم قبل اعتبار النتيجة حلًا رسميًا للمسألة.

إنجاز تقني بانتظار الحكم الرياضي

وقالت OpenAI إنها لا تخطط للمطالبة بجائزة المليون دولار المرتبطة بمسألة Navier-Stokes، موضحة أن الهدف من الإعلان هو إبراز التطور الذي وصلت إليه نماذجها في التعامل مع الأبحاث العلمية والمسائل الرياضية شديدة التعقيد.

وتعكس التجربة، بصرف النظر عن النتيجة النهائية للبرهان، تحولًا في طريقة توظيف الذكاء الاصطناعي داخل البحث العلمي، من مجرد أداة للمساعدة في الحساب والبرمجة إلى أنظمة تحاول بناء حلول لمسائل استغرقت جهود علماء وباحثين على مدار سنوات طويلة.

لكن أهمية التجربة ستظل مرتبطة بمدى قدرة علماء الرياضيات على التحقق من البرهان بصورة مستقلة، إلى جانب توضيح مصادر المعرفة التي اعتمد عليها النموذج. ولذلك، يبقى الإعلان خطوة بحثية لافتة، وليس حكمًا نهائيًا على أن واحدة من أصعب مسائل الرياضيات في العالم قد حُسمت بالفعل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء