محمد فوزي بك.. جراح قصر العيني الذي حمل الطب المصري إلى ميادين الحرب
ضمن سلسلة التوثيق التاريخي لمسيرة أعلام الطب المصري، تواصل حلقاتنا استعراض الشخصيات التي أسهمت في بناء مدرسة قصر العيني وترسيخ حضورها العلمي، ومن بينهم الدكتور محمد فوزي بك، أحد أبرز الجراحين الذين تركوا بصمة في تاريخ الطب المصري خلال القرن التاسع عشر.
وينتمي محمد فوزي بك إلى جيل من الأطباء الذين أسهموا في تأسيس قواعد تدريس الجراحة بقصر العيني، إذ جمعته مسيرة علمية ومهنية مع الدكتور محمد دري باشا، ليشكلا معًا أحد أبرز الثنائيات الجراحية التي تولت تدريس هذا التخصص خلال مرحلة مهمة من تاريخ المدرسة.
من منية النصر إلى مدرسة الطب
وُلد الدكتور محمد فوزي بك عام 1826 في قرية منية النصر التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية، وبدأ تعليمه في كُتّاب القرية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته بالمدرسة الأميرية في شارع الناصرية.
وأظهر منذ سنواته الأولى قدرات علمية لافتة، أهلته للالتحاق بمدرسة الطب بقصر العيني في سن مبكرة، رغم تجاوزه المعتاد لشرط السن الخاص بالقبول، ليبدأ من هناك رحلته مع دراسة العلوم الطبية والجراحة.
ومع تقدمه في الدراسة واتساع معارفه الطبية، وقع عليه الاختيار ضمن البعثات العلمية التي أُرسلت إلى فرنسا، حيث واصل دراسته وتخصصه في أصول الجراحة، وتمكن من إثبات كفاءته العلمية ومهارته في المجال الجراحي، وهو ما حظي بتقدير أساتذته هناك.
وبعد عودته إلى مصر، انضم إلى هيئة التدريس بمدرسة الطب بقصر العيني، وبدأ عمله مدرسًا للجراحة الصغرى، لتتواصل رحلته داخل المؤسسة التي تلقى فيها تعليمه الطبي.
شراكة جراحية مع محمد دري باشا
برز اسم محمد فوزي بك إلى جانب الدكتور محمد دري باشا في تدريس الجراحة بقصر العيني، حيث شكل الطبيبان ثنائيًا علميًا وجراحيًا كان له دور بارز في نقل المعرفة والخبرة الجراحية إلى طلاب مدرسة الطب.
ومع زيادة الطاقة الاستيعابية لأقسام الجراحة في مستشفى قصر العيني، جرى توزيع أسرة المرضى بين الطبيبين بالتساوي، فأصبح لكل منهما قسم مخصص، وهو ما عكس حجم الدور الذي كان يؤديه الاثنان في مجال الجراحة والتعليم الطبي داخل المستشفى.
ولم يكن عمل فوزي بك مقتصرًا على قاعات الدراسة أو غرف العمليات، وإنما اتخذ مسارًا أكثر اتساعًا، امتد إلى ميادين الحرب، في صورة مبكرة لدور الطبيب المصري في تقديم الرعاية الطبية خارج المؤسسات العلاجية.
جراح في ميادين حرب الحبشة
شارك الدكتور محمد فوزي بك طبيبًا وجراحًا مع الجيش المصري خلال حرب الحبشة، حيث انتقل إلى الميدان لمباشرة علاج المصابين وإجراء العمليات الجراحية في ظروف بالغة الصعوبة.
وقد مثلت مشاركته في الحرب نموذجًا لحضور أطباء قصر العيني في المهام الطبية الميدانية، وربطت بين الدور الأكاديمي الذي كانت تؤديه المدرسة وبين مسؤوليتها الإنسانية في التعامل مع الإصابات والحالات الطارئة في ظروف الحروب.
وبذلك لم تظل خبرته الجراحية حبيسة المستشفى والمدرسة، وإنما انتقلت إلى ساحات القتال، حيث واجه تحديات مختلفة فرضتها طبيعة العمل الطبي في الميدان.
شهادة تقدير من «ملتون»
واستمر حضور فوزي بك في المشهد الجراحي بقصر العيني لسنوات، حتى بعد انضمام الدكتور «ملتون» إلى خدمة المستشفى عام 1884.
واعتمد «ملتون» على الخبرة المتراكمة التي امتلكها الدكتور محمد فوزي بك، وكان يقدر آراءه الطبية ويعترف بمهارته في إجراء العمليات الجراحية، في شهادة تعكس المكانة التي وصل إليها الجراح المصري بين العاملين في المجال الطبي بقصر العيني آنذاك.
أوسمة وتقدير علمي
وخلال سنوات عمله، حصل محمد فوزي بك على الرتبة الثانية، كما نال عددًا من النياشين والميداليات تقديرًا لمسيرته.
كما منحته الحكومة الفرنسية وسام جوقة الشرف «ليجيون دونور» بدرجة فارس، تقديرًا لإسهاماته في المجالين العلمي والطبي، ليضاف هذا التكريم إلى مسيرة حافلة بالعمل في التعليم والجراحة وخدمة المرضى.
ولم تقتصر صورته لدى طلابه على الطبيب والأستاذ، فقد عُرف كذلك باهتمامه بهم وتقديم العون والرعاية لهم، إلى جانب زهده وعزوفه عن الحصول على مقابل مادي نظير ما يقدمه من مساعدة.
رحيل الطبيب ورثاء تلميذه
اختتمت رحلة الدكتور محمد فوزي بك في السادس من يوليو عام 1891، بعدما توفي إثر إصابته بمرض في القلب، تاركًا وراءه مسيرة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ الجراحة المصرية ومدرسة قصر العيني.
ورثاه تلميذه الدكتور السيد بك رفعت بقصيدة شعرية حملت عنوان «زفرات الدموع وبث اللواعج»، لتسجل مشاعر تلاميذه تجاه أستاذ ترك أثرًا علميًا وإنسانيًا في نفوسهم.
وتكشف سيرة محمد فوزي بك عن جانب مهم من تاريخ قصر العيني؛ فالمؤسسة التي ارتبط اسمها بالتعليم الطبي وعلاج المرضى، امتد دور أطبائها منذ وقت مبكر إلى خارج أسوارها، وصولًا إلى ميادين الحرب، حيث تحولت المعرفة الطبية إلى ممارسة إنسانية تستهدف إنقاذ المصابين وحماية الأرواح.
ومن خلال هذه النماذج، تتضح ملامح المدرسة الطبية المصرية التي أسهم قصر العيني في تأسيسها، والتي لم تعتمد فقط على نقل العلوم الطبية، وإنما عملت على إعداد أطباء قادرين على مواجهة مختلف الظروف، داخل المستشفيات وخارجها، وترسيخ حضور الطب المصري في محيطه الإقليمي والدولي.
- # العلمي
- # محافظة الدقهلية
- # القاهرة
- # الحكومة
- # محافظة الدقهلية
- # هيئة التدريس
- # الاختيار
- # منية النصر
- # محافظ
- # القلب
- # المرض
- # مسيرة
- # محمد فوزى
- # حكومة
- # ممارسة
- # التاريخ
- # مساعد
- # الأميرية
- # الدول
- # عمل
- # قصر العيني
- # فرنسا
- # المستشفى
- # الأطباء
- # العلاج
- # القرن التاسع عشر
- # الحالات الطارئة
- # قاعات الدراسة
- # مؤسسات
- # مدرسة الطب
- # الدكتور محمد فوزي


