رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لكل شيء، تبرز الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية باعتبارها واحدة من أهم مصادر المعلومات التي يتابعها المواطن، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالجرائم التي تشغل الرأي العام.


والحقيقة أن ما تقوم به الأجهزة الأمنية من سرعة في كشف ملابسات العديد من الوقائع وضبط مرتكبيها يستحق الإشادة والتقدير.
في كثير من القضايا، تصل الأجهزة الأمنية إلى المتهمين في وقت قياسي، وتعلن ضبطهم واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم، فيشعر المواطن أن الدولة حاضرة، وأن الجريمة مهما حاول مرتكبها الاختباء خلفها، فإن يد القانون قادرة على الوصول إليه.


لكن هنا يأتي السؤال الذي أراه جديرًا بالدراسة:
ماذا يحدث بعد الضبط؟
فالقبض على المتهم ليس نهاية القضية، وإنما هو بداية المسار القانوني.


هناك إجراءات تتخذها جهات التحقيق، ثم قد تتم إحالة القضية إلى المحكمة المختصة، وتبدأ مرحلة المحاكمة، وقد يصدر حكم من محكمة أول درجة، ثم تكون هناك درجات للتقاضي وفقًا للقانون، إلى أن يصل الأمر ــ بحسب طبيعة القضية وطرق الطعن المتاحة ــ إلى حكم نهائي مستقر وواجب النفاذ.
وهنا تحديدًا أتمنى أن نرى الحلقة المفقودة.


من الضبط.. إلى التحقيق.. إلى المحاكمة.. إلى الحكم.. ثم إلى العقوبة.


فالمواطن الذي تابع تفاصيل الجريمة، ثم تابع خبر ضبط مرتكبيها، وظل يتساءل عن مصير القضية، من حقه ــ في حدود ما يسمح به القانون ــ أن يعرف نهايتها.
ليس المقصود بالطبع أن تعلن وزارة الداخلية إدانة شخص لمجرد القبض عليه، فهذا أمر لا يجوز قانونًا، والمتهم يظل بريئًا حتى تثبت إدانته بحكم قضائي.
وليس المقصود كذلك أن تتدخل وزارة الداخلية في عمل القضاء؛ فالقضاء مستقل، وهو وحده صاحب الكلمة في الإدانة والعقوبة.


ولكن بعد انتهاء مراحل التقاضي وصدور الحكم النهائي، لماذا لا تكون هناك ــ متى كان ذلك جائزًا قانونًا ــ متابعة رسمية للقضايا التي سبق أن أعلنت الوزارة ضبط مرتكبيها؟
لماذا لا نرى مثلًا تحديثًا يقول:


«في القضية التي سبق الإعلان عن ضبط مرتكبيها، قضت المحكمة بعد استكمال إجراءات التقاضي بـ...».
هنا تتحول القصة من مجرد خبر عن جريمة وضبط متهمين إلى رسالة متكاملة للمجتمع: الجريمة كُشفت، مرتكبوها ضُبطوا، القضية نُظرت أمام القضاء، والحكم صدر، والعقوبة نُفذت وفقًا للقانون.
وهذا في رأيي أكثر أهمية من مجرد نشر خبر القبض.


لأن الردع لا يتحقق فقط عندما يرى المواطن صورة المتهم مقبوضًا عليه، وإنما عندما يدرك أيضًا أن الطريق لا ينتهي عند لحظة الضبط.
الضبط ليس العقاب.. والاتهام ليس إدانة.. والحكم الابتدائي ليس بالضرورة نهاية المطاف.
وهذه التدرجات يجب أن تكون واضحة أمام الرأي العام، حتى لا تختلط الأمور على الناس.
ومن هنا أقترح على وزارة الداخلية دراسة إنشاء باب ثابت على صفحتها الرسمية، تحت عنوان:


«من الضبط إلى الحكم»
تبدأ فيه القصة بخبر ضبط مرتكبي الجريمة، ثم ــ متى كان النشر جائزًا قانونًا ــ يتم تحديث البيانات المتعلقة بمسار القضية، وصولًا إلى الحكم النهائي وما آل إليه الأمر.
وبذلك تكون الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية قد قدمت للمواطن ليس فقط خبر الضبط، وإنما النهاية القانونية للقضية.
وهذا لا ينتقص بأي شكل من استقلال القضاء، بل على العكس؛ فهو يرسخ في وعي المواطن أن هناك مؤسسات لكل منها دورها:
الشرطة تضبط وتجمع الاستدلالات وفق القانون.. النيابة تحقق وتتخذ ما تراه قانونًا.. القضاء يحاكم ويصدر الحكم.. ثم تُنفذ العقوبة وفقًا للقانون.
وهكذا تكتمل الصورة.


فالجريمة ليست «تريند» يبدأ بخبر وينتهي بعد أيام عندما تنشغل مواقع التواصل بقصة أخرى.
هناك ضحية وأسرة ومجتمع، وهناك قانون، وهناك قضاء، وهناك في النهاية مسؤولية وعقوبة يحددها الحكم القضائي.
لذلك فإن إعلان المصير النهائي للقضايا التي سبق الإعلان عنها، متى كان ذلك متاحًا قانونًا، يمكن أن يمثل رسالة توعوية وردعية مهمة جدًا، ويعطي المواطن ثقة أكبر في أن الملف لم يُغلق بمجرد القبض على المتهم.


كل التحية والتقدير لرجال الشرطة الذين يعملون ليلًا ونهارًا في مواجهة الجريمة وحماية المواطنين.
اضبطوا الجريمة.. واتركوا للقضاء كلمة الفصل.. ثم أخبرونا بالنهاية.


من الضبط إلى التحقيق، ومن التحقيق إلى المحاكمة، ومن المحاكمة إلى الحكم، ومن الحكم إلى تنفيذ العقوبة.
فالمواطن لا يريد أن يعرف فقط: «مين اتقبض عليه؟»


بل يريد أن يعرف أيضًا:
«وماذا قالت المحكمة في النهاية؟»
لأن الردع الحقيقي يبدأ من سرعة ضبط الجريمة، ويكتمل عندما يعرف الجميع أن لها نهاية قانونية وعقوبة يقررها القضاء.

شيرين عصام

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء