رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

طغت المادة على كل شيء جميل في حياتنا، حتى كادت أن يصبح المالُ فيها هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الناس؛ لغةً للحب، والاهتمام، والوفاء، والإخلاص، والإيثار، والكرم، بل ولغةً للحكم على الإنسان وقيمته ومكانته.
ولم يعد غريبًا أن يطيح بعضنا بكل هذه المعاني النبيلة في سبيل بضعة جنيهات، أو من أجل مشاهدات ..أو إعجابٍ عابر، أو شهرةٍ لا تلبث أن تنطفئ كما أضاءت.
لكن السؤال الذي يؤلمني حقًا: كيف ومتى تحولنا إلى هذا الكائن الذي يستطيع أن يبيع إنسانيته من أجل المال؟
هل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها كثير من الناس قد أنبتت لنا أنيابًا، وقتلت في نفوسنا الرحمة، وأطفأت في داخلنا نور الانسانيه الذي كان يقول لنا: هذا عيب… هذا حرام… هذا يؤذي إنسانًا؟
لقد آلمتني كثيرًا تلك المشاهد التي أصبحت تملأ منصات التواصل الاجتماعي؛ لإيناس فقدوا عزيزًا، فوجدوا الكاميرات تحاصرهم في لحظة انكسارهم وانهيارهم .. أو شخصًا يعيش أقسى لحظات ضعفه، فيتحول حزنه إلى مادة للعرض والمشاهدة والتعليق.
أي متعة في أن نرى إنسانًا مكلومًا وهو يبكي؟ او أن ثكلي تبكي فقدها ؟؟
وأي فائدة تعود علينا من مشاهدة وجع لا يعنينا، أو اقتحام خصوصية إنسان في فرحه أو حزنه؟

ماذا أضافت إلينا مشاهدة أفراح الآخرين وأتراحهم دون إذنهم؟ وماذا ننتظر أن يحدث لنا حين تصبح حياة الناس وخصوصياتهم مباحة أمام أعين الجميع؟
اين ضميري إن كانت تجارتي بألام الناس  ؟؟

أمن الإيمان أن نفضح سترًا، أو نكشف عورة، أو نصطاد إنسانًا في لحظة ضعف، أو نحول دموعه إلى مشهد تتناقله الهواتف؟
هل هذه هي الأخلاق التي أُمرنا بها؟
ومتى نستفيق من هذا الخدر الذي يسحبنا، يومًا بعد يوم، إلى أسفل السافلين؟

ارحموا أنفسكم من هذا الذنب.

ارحموا أنفسكم من اصطياد البشر في لحظات ضعفهم.

ارحموا دموع الآخرين من أن تتحول إلى محتوى.

وارحموا أنفسكم قبل أن يأتي يوم تصبح فيه أفعالكم نفسها مادةً لحكم المجتمع عليكم.

لا تجعلوا الحاجة إلى المال تبرر كل شيء، ولا تجعلوا ضيق الحياة رخصةً لارتكاب ما يتنافى مع الأمانة والضمير والإيمان.

أنا أعلم أن الحياة قاسية، وأن متطلباتها أصبحت سوطًا على ظهور كثير منا، وأن الانتظار طال، وأن الأمل في حياة أفضل وأجمل وأكثر راحة أصبح مرهقًا.
وأعلم أن أرواحنا تُستنزف يومًا بعد يوم، وأن نفوسنا تنكسر تحت وطأة الفوضى، وغلاء المعيشة، والخوف من الغد، وذلك السباق المحموم الذي وجدنا أنفسنا داخله دون أن نختار دخوله.

لكن، وسط كل هذا، أرجوكم…
لا تفقدوا أنفسكم.
لا تفقدوا أخلاقكم في الطريق إلى المال.
لا تفقدوا أرواحكم في سبيل المشاهدة.

لا تفقدوا رحمتكم لأن الحياة لن ترحمكم.
فليس معنى أن العالم أصبح أكثر قسوة أن نصبح نحن أيضًا قساة.
وليس معنى أن الجميع يركض خلف المال أن نركض فوق جراح الآخرين.
احتفظوا ولو بجزء صغير من إنسانيتكم.

فربما كان هذا الجزء الصغير هو آخر ما تبقى لنا من أنفسنا.

استفيقوا… قبل أن يأتي يوم نكتشف فيه أننا ربحنا المال، وخسرنا انفسنا

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء