رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

القاهرة وبكين.. شراكة استراتيجية متجددة معًا من أجل مستقبل أكثر ازدهارًا

مقال الرئيس السيسى
مقال الرئيس السيسى

قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مقال مقرر نشره في عدد «الأهرام» الصادر غدًا الثلاثاء 1 سبتمبر 2026، إن مصر والصين ترتبطان بطريق تجاري تاريخي أسهم في انتقال البشر والسلع، وامتد من طريق الحرير الصيني إلى البحر الأحمر وقناة السويس المصرية، باعتبارها شريان الحياة للتجارة العالمية، مشيرًا إلى أن هذا الطريق امتدت عبره البعثات والقوافل التجارية من السواحل الصينية والآسيوية إلى الموانئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط، والتي استمرت في دورها التاريخي حتى وقتنا المعاصر كرابط لا بديل عنه بين الشرق والغرب.

وأضاف الرئيس أن الموانئ المصرية كانت أكبر مركز تجاري لتبادل السلع بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وانتقلت عبر هذا الطريق ثقافات الشعبين وأفكارهما، بما عزز الروابط التاريخية بين الشعبين المصري والصيني، وشكل نواة لقواسم مشتركة بينهما تأسست عليها قرون من العلاقات الشعبية والتجارية والثقافية الممتدة.

وأكد الرئيس السيسي أننا نحتفل هذا العام بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية، موضحًا أن هذه الذكرى تأتي في لحظة تاريخية تمثل نقطة فاصلة في تطور علاقات البلدين وازدهارها، كما نحتفي بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر.

سبعة عقود من العلاقات التاريخية

وأوضح الرئيس أن مصر كانت أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، امتدادًا لروابط بين ثقافات الشعبين وأفكارهما، وامتدادًا كذلك لروابط تاريخية وحضارية عميقة بين أمتين تضربان بجذورهما في أعماق التاريخ.

وأشار إلى أن تلك اللحظة كانت فارقة، عبرت فيها مصر عن دعمها لحرية الشعوب في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي بكل حرية، وفتحت مصر بذلك الطريق أمام علاقات عربية وإفريقية مع الصين تطورت وازدهرت على مدار الأعوام، وصولا إلى إطلاق المنتدى العربي الصيني والمنتدى الإفريقي الصيني.

وقال الرئيس إن مصر تمسكت على الدوام بمبدأ الصين الواحدة، ورفضت التدخل في الشئون الداخلية للصين، وساندت استعادة الصين مقعدها الدائم في مجلس الأمن، كما أيدت الصين الحقوق العربية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

وشدد الرئيس على أن هذه المواقف التاريخية لا تُنسى، وتظل عالقة في ذاكرة الشعبين كعلامات مضيئة يسترجعها الشعبان سويًا مع احتفالهما بهذه الذكرى العزيزة، لتمثل أساسًا للتضامن بين الشعبين ومنطلقًا لمزيد من التعاضد والتآزر.

الشراكة الاستراتيجية الشاملة

وأكد الرئيس السيسي أن علاقات مصر والصين تطورت على مدار سبعة عقود بصورة ملموسة، وصولا إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في عام 2014، خلال أول زيارة رسمية له إلى جمهورية الصين الشعبية.

وقال إن مصر كانت حريصة على الدفع في تلك المرحلة الفارقة بعلاقات ممتدة وواسعة مع كافة دول العالم، وتنويع سياستها الخارجية ومد أياديها لكل الأصدقاء، وبناء شراكات أوسع وأعمق مع كافة دول العالم.

وأضاف أن مصر حريصة على تعزيز علاقاتها مع الصين على أساس من الاحترام المتبادل والتضامن والمنفعة المتبادلة، وبذل الجهود لدفع التطوير المشترك للبنية التحتية والاستثمارات والتجارة والتصنيع ونقل التكنولوجيا.

وأوضح الرئيس أن الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أرساها البلدان حققت طفرة في العلاقات الثنائية، حيث أصبحت الصين شريكا تجاريا واقتصاديا رئيسيا لمصر، وتزايد حجم الاستثمارات الصينية المباشرة، بما في ذلك بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

قناة السويس.. حلقة وصل بين الشرق والغرب

وأشار الرئيس إلى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وفرت فرصًا جمة للمستثمرين الصينيين لتحقيق الأرباح والاستفادة من المزايا الكبيرة التي توفرها المنطقة للمستثمرين الأجانب، والتي تتوافر بها مناطق صناعية تضم العديد من المصانع من كافة الدول المختلفة الساعية للاستفادة من هذه الفرص.

وأكد أن الموقع الجغرافي لمصر في قلب العالم يجعلها حلقة وصل أساسية بين الشرق والغرب، وهو ما يعزز من قدرتها على أن تكون مركزًا لوجستيا وصناعيا وتجاريًا عالميا.

ولفت الرئيس إلى أن الشركات الصينية أسهمت في العديد من المشروعات القومية الكبرى، مثل بناء حي المال والأعمال بالعاصمة الجديدة، وتدشين القطار الكهربائي للعاشر من رمضان، وبناء محطات الطاقة المتجددة، وتطوير الموانئ وغيرها من المشروعات التي كانت ضمن خطط الدولة القومية لتحسين البنية التحتية، والتي تعاونت بشأنها مع عدد من الدول المختلفة، من بينها الصين.

وقال إن هذه الجهود أسهمت في انتقال مصر إلى مرتبة عالية في مجال البنية التحتية على المستوى العالمي، بما يعد أحد العناصر المهمة في تأسيس بنية متطورة لقاعدة صناعية متكاملة، وتحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي للصناعة والتجارة والخدمات.

توطين الصناعة وجذب الاستثمارات الصينية

وأوضح الرئيس أن التطور الكبير الذي حققته مصر في تعزيز بنيتها التحتية جعلها وجهة مهمة لتدشين استثمارات صناعية كبيرة من كافة دول العالم، وكانت الصين من الدول الحريصة على تدشين صناعات لها في مصر والاستفادة مما تتيحه من مزايا مهمة في هذا المجال.

وأكد أن مصر تتفق مع الصين على ضرورة الاستفادة من الربط بين استراتيجية الدولة المصرية لتوطين الصناعة واستراتيجية الصين للتنمية عالية الجودة، ومن ثم جذب مزيد من الصناعات الصينية إلى مصر.

وأشار إلى أن ذلك يشمل مجالات السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين والطاقة المتجددة والأجهزة الإلكترونية ومكونات محطات تحلية مياه البحر وبناء السفن وغيرها، فضلًا عن تعزيز نقل التكنولوجيا في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء باعتبارها أولويات مشتركة.

التجربة الصينية وإلهام الدول النامية

وقال الرئيس إن التجربة التنموية الصينية وقدرتها على تحقيق التقدم الاقتصادي والقضاء على الفقر المدقع مثلت مصدرًا لإلهام الدول النامية الساعية لتحقيق حلمها للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية ومسارات التحديث والتطور.

وأضاف أن مصر تنظر بإيجابية إلى هذه التجربة، وتؤمن في الوقت نفسه بأن دول العالم النامي لديها فرصة هائلة للانطلاق نحو الأمام وتحقيق نهضة اقتصادية وفقًا للنموذج التنموي الذي يلائمها ويتماشى مع ظروفها التاريخية والثقافية.

وشدد على أهمية تهيئة المناخ الملائم على المستوى الدولي الذي يمكن تلك الدول من بلوغ هذا الهدف المنشود، مؤكدًا أن تحقيق التنمية حق أصيل للدول النامية.

مصر والصين.. شراكة لخدمة الجنوب العالمي

وأكد الرئيس أن مصر والصين أصبحتا شريكين يسهمان سويًا في تعزيز دور الجنوب العالمي في النظام العالمي، وبما يحقق مزيدًا من العدل والإنصاف للدول النامية.

وأوضح أن مصر بذلت، من هذا المنظور، جهدًا دبلوماسيا حثيثا من أجل تهدئة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ومنع تصعيد الصراع واتساع رقعته، مشيرًا إلى أن المنطقة تمر بمرحلة خطيرة من الصراعات التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، بل تهدد السلم والأمن الدوليين.

وأشار الرئيس إلى أن مصر والصين تتفقان في هذا السياق على ضرورة حل الصراعات بالوسائل السلمية، ومراعاة الشواغل الأمنية لكافة الأطراف، واحترام سيادة الدول كأساس للتسوية السلمية للصراعات.

وشدد على أنه ليس من مصلحة أي أطراف إقليمية أو دولية اتساع رقعة الصراع وتأجيج النزاع المسلح.

نهر النيل.. شريان الحياة لمصر

وأوضح الرئيس أن نهر النيل كان أساس الحضارة المصرية ومصدرًا حيويًا لازدهارها عبر التاريخ، وأن مصر ودول حوض النيل الأخرى استفادت من مياهه لآلاف السنين، حيث مثلت مياهه موردًا مشتركًا وأساسًا للحياة والتنمية ورفاهية الإنسان.

وقال إن مصر، وعلى مر تاريخها، التزمت بدعم دول حوض النيل، لا سيما في مجالات تنمية الموارد المائية وبناء السدود، بما في ذلك في السودان وأوغندا، ومؤخرًا من خلال مساهمتها في مشروع جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا.

وأكد أن مصر ستبقى ثابتة في الدعوة إلى التعاون العابر للحدود وفقًا لمبادئ وقواعد القانون الدولي، بدلًا من النهج الأحادي الذي يُلحق الضرر بدول المصب.

وشدد الرئيس على أن مصر تؤمن إيمانًا راسخًا بأن الإدارة المستدامة للموارد المائية المشتركة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الإخطار المسبق والتشاور والتوافق بين الدول المتشاطئة.

وفي هذا الصدد، قال إن مصر تقدر بشدة موقف الصين الذي أكد اعترافها بالأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر باعتباره شريان الحياة الرئيسي لها، مجددًا أهمية الامتناع عن اتخاذ تدابير أحادية الجانب، وتعزيز التعاون بحسن نية لتحقيق المنفعة المتبادلة والتعاون المربح للجميع.

دعم النظام الدولي والتعاون متعدد الأطراف

وأكد الرئيس أن مصر اضطلعت بدورها الإقليمي والدولي على مدار العقود الماضية، وتمسكت بمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والنظام الدولي القائم على القواعد.

وأوضح أن مصر حرصت على الإسهام في دعم المنظمات الدولية للقيام بدورها الأصيل في حماية الأمن والسلم الدوليين، وساهمت بدور ملموس في عمليات حفظ السلام وبناء السلام.

وأشار إلى أن مصر شاركت مع كافة أطراف المجتمع الدولي جهود تعزيز دور المنظمات الاقتصادية العالمية لتحقيق التنمية العالمية الشاملة والدفع بالأهداف الإنمائية للأمم المتحدة.

وأضاف أن مصر تمسكت بمواقفها الداعمة لتعزيز صوت الجنوب العالمي وزيادة تمثيله في المؤسسات الدولية، على نحو يراعي حق هذه الدول في التعبير عن إراداتها ومراعاة شواغلها.

البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون

ولفت الرئيس إلى أن مصر انضمت إلى تجمع البريكس في عام 2024، وكذلك إلى بنك التنمية الجديد التابع له، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، كما انضمت كشريك حوار لمنظمة شنغهاي للتعاون، من منطلق حرصها على تعزيز حوار الجنوب-الجنوب والانفتاح على شراكات واسعة ومتنوعة مع كافة دول العالم.

واغتنم الرئيس هذه الفرصة لتهنئة الصين على تولي رئاسة مجموعة البريكس العام المقبل، مؤكدًا تطلع مصر إلى التنسيق والتشاور معها في هذا الإطار.

التعاون المصري الصيني في المرحلة المقبلة

وأكد الرئيس أن مصر حريصة على تعزيز علاقاتها مع الصين، ودفع التعاون بين البلدين خلال المرحلة المقبلة، بما يحقق مزيدًا من التطوير المشترك للبنية التحتية والاستثمارات والتجارة والتصنيع ونقل التكنولوجيا.

وأوضح أن مصر تتطلع إلى جذب مزيد من الصناعات الصينية، بما يسهم في توطين الصناعة وزيادة القيمة المضافة وتعزيز القدرة الإنتاجية، مع التركيز على مجالات السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين والطاقة المتجددة والأجهزة الإلكترونية ومكونات محطات تحلية مياه البحر وبناء السفن.

وأضاف أن التعاون يجب أن يمتد كذلك إلى مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء، باعتبارها من الأولويات التي ستحدد مستقبل التنمية والتقدم خلال العقود المقبلة.

التعاون في إفريقيا والتنمية العابرة للحدود

وقال الرئيس إن مصر حريصة على تعزيز التعاون مع الصين في إفريقيا، وعلى أن يسهم هذا التعاون في دعم التنمية والبنية التحتية والاستثمارات والتصنيع ونقل التكنولوجيا في القارة.

وأشار إلى أن مصر اضطلعت بدورها الإقليمي والدولي على مدار العقود الماضية، وتمسكت بمبادئ التعاون وحسن الجوار والقانون الدولي، وأنها تؤمن بأهمية التعاون العابر للحدود بما يحقق المنفعة المشتركة.

وأكد أن التعاون المصري الصيني يمكن أن يمثل نموذجا مهما للتعاون بين دول الجنوب، وأن يسهم في تحقيق التنمية العالمية الشاملة، ودعم الدول النامية في بناء قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية.

الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة

وشدد الرئيس على أن مصر حريصة على بناء علاقاتها مع كافة دول العالم على أساس الاحترام المتبادل والتضامن والمنفعة المتبادلة، مؤكدًا أن تنويع الشراكات يمثل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية المصرية.

وأوضح أن مصر تتمسك بسياسة الاتزان الاستراتيجي في وقت تتعالى فيه موجات الاستقطاب والتنافس، مؤكدة سياستها الخارجية المستقلة، والداعية إلى تنسيق جهود المجتمع الدولي للتغلب على التحديات العالمية التي باتت تهدد العالم بأسره.

وقال إن مصر ستبقى حريصة على التعاون مع كافة الأصدقاء، ومد أياديها لبناء شراكات أوسع وأعمق، بما يخدم مصالح الشعب المصري ويدعم الاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.

فصل جديد من الصداقة المصرية الصينية

وأكد الرئيس أن الشعبين المصري والصيني سطرا على مدار الأعوام الماضية صفحات عديدة من التعاون والصداقة، وأن العلاقات بين البلدين استطاعت أن تنتقل من الروابط التاريخية والتجارية والثقافية إلى شراكة استراتيجية شاملة متعددة المجالات.

وقال: إننا، كما سطرنا على مدار الأعوام الماضية صفحات من التعاون والصداقة بين بلدينا الصديقين، نتطلع لأن نكتب معًا فصلًا جديدًا من فصول الصداقة المصرية الصينية التي امتدت لآلاف السنوات.

وأضاف أن مصر تتطلع إلى عقود جديدة من التطور والازدهار لشعبي البلدين الصديقين، وأن تستمر الشراكة في تحقيق مصالح الشعبين، وتعزيز التنمية والتعاون، ودعم دور الجنوب العالمي في النظام الدولي.

واختتم الرئيس بالتأكيد على تطلعه إلى أن تظل العلاقات المصرية الصينية نموذجا للصداقة والتعاون والمنفعة المتبادلة، وأن تسهم هذه الشراكة في تحقيق مزيد من الاستقرار والأمن والتنمية.

وقال الرئيس: إن مصر والصين، وهما تحتفلان بمرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، تتطلعان إلى مستقبل أكثر ازدهارًا للشعبين المصري والصيني وللإنسانية، وإلى عقود جديدة من التعاون والصداقة والعمل المشترك من أجل عالم أكثر استقرارًا وأمنا وتنمية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء