رسالة إلى الإمام الأكبر: أنقذ «أهل القرآن»
في مدينة طنطا محط رحال القطب الرباني والغوث الصمداني سيدي أحمد البدوي (رضي الله عنه) علامة بارزة متفردة ليس لها مثيل في العالمين العربي والإسلامي، ومنارة شامخة شاهدة على المهمة الأجل التي اختص بها المولى عز وجل الأزهر الشريف دون غيره من معاهد العلم، وهي مهمة العناية بالقرآن الكريم: حفظًا، وتلاوةً، وأحكامًا، وتفسيرًا، وتوضيح أسباب النزول، وتفرقة بين المحكم والمتشابه... إلخ هذه الأفرع العلمية عالية القدر التي اعتنت بتدريسها كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بجامعة الأزهر.
وطيلة العقود المنصرمة كانت كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بجامعة الأزهر، تفتح أبوابها لجميع الطلبة خريجي معاهد القراءات دون التقيد بسن محددة، وفقًا لنص المادة (4): «يُشترط في قيد الطالب لدرجة الإجازة العالية (الليسانس) في القرءات وعلومها أن يكون حاصلًا على شهادة التخصص في القرءات من أحد معاهد القراءات بالأزهر أو ما يعادلها دون التقيد بسن معينة أو بسنة التخرج».
كما تكفل الأزهر الشريف -بجميع هيئاته- بطلبة كلية القرآن، كونهم أهل الله وخاصته، ومن عليهم مدار حفظ هذا الكتاب الكريم، وكون أغلبهم أرقاء الحال كما هو سمت أهل القرآن جميعًا.
إلا أن هذا الوضع -السابق ذكره- تغير بالكلية بداية من هذا العام الجامعي؛ فقد فوجئ الطلبة خريجو معاهد القراءات ممن تجاوز سنهم 26 عامًا، بأنهم «ممنوعون» من الالتحاق بكلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها لسببين، أولهما: قرار المجلس الأعلى للأزهر، برئاسة الإمام الأكبر الكتور أحمد الطيب، الصادر بجلسة المجلس رقم (328)، بتعديل اللائحة الداخلية للكلية ومن ثَمَّ تعديل المادة (4) -سبق ذكر نصها- لتصبح: «يُشترط في قيد الطالب لدرجة الإجازة العالية (الليسانس) في القرءات وعلومها أن يكون حاصلًا على شهادة التخصص في القرءات من أحد معاهد القراءات بالأزهر أو ما يعادلها، على ألا يزيد السن على (26) عامًا».
والسبب الثاني: اشتراط المجلس الأعلى للأزهر، لمن يرغب من الطلاب الذين تجاوز سنهم 26 عامًا الالتحاق بكلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها، تسديد مبلغ 30 ألف جنيه للطالب المصري و1000 دولار للطالب الوافد، مصاريف تُقسم على قسطين لكل عام دراسي، فيما يُعرف ببرنامج القراءات وعلومها (الخاص)، وهو برنامج استثماري يجعلنا نرفع هذا الأمر إلى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، متسائلين: منذ متى يستثمر الأزهر في أبنائه وبالأخص أهل القرآن؟ وهل هذا القرار يعني تخلي الأزهر عن دوره في العناية بالقرآن الكريم؟
يا فضيلة الإمام:
لقد سدد ما يزيد على الخمسين طالبًا من خريجي معاهد القراءات بجميع محافظات مصر، رسوم «تنسيق كلية القرآن الكريم»، كما سددوا قيمة مصروفات العام الجامعي الحالي 2025/ 2026 (604 جنيهات)، وبعد كل هذا فوجئوا بتطبيق قرار المجلس الأعلى للأزهر عليهم بأثر رجعي؛ فوجدوا أنفسهم غير قادرين على الالتحاق بكلية القرآن الكريم، لتجاوز سنهم 26 عامًا أولًا، ولرفع قيمة مصروفات العام الجامعي من600 جنيه إلى 30 ألف جنيه ثانيًا! فكيف تتقاضى منهم الجامعة رسوم التنسيق إضافة إلى مصاريف العام الجامعي الحالي ثم تمنعهم من الالتحاق بالكلية؟!
يا فضيلة الإمام، ويا رئيس جامعة الأزهر، ويا كل قيادة أزهرية غيورة على القرآن الكريم وأهله: هذه مظلمة أبنائكم نضعها أمام أيديكم، فهؤلاء هم أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، فلا تضيقوا عليهم واسعًا، ولا تحمّلوهم ما لا طاقة لهم به. وإن كان لا بُدَّ من تطبيق قرار المجلس الأعلى للأزهر بتقييد سن الملتحقين بكلية القرآن الكريم، فليكن التطبيق على طلاب معاهد القراءات الدارسين في عامهم الأول.
أما أن يتقاضى الأزهر الشريف 30 ألف جنيه نظير السماح لأبنائه بدراسة القرآن وعلومه فهذا لعمري «سُبةٌ» في جبين الأزهر الذي لم يتخلَّ طيلة سنوات تجاوزت عدتها الألف عام عن القرآن وأهله.
إن العناية بالقرآن الكريم، وأهله، «بركة» بها حفظ الله الأزهر، وأبقى أروقته نهرًا عذبًا يروي ظمأ كل متشوق لدراسة العلوم الدينية بمختلف فروعها، وجعل مشايخه علماء ثقات يرون العلوم بالسند المتصل من شيخ إلى شيخ إلى سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولو فقد الأزهر «بركة العناية بالقرآن وأهله» لفقد هويته ..