رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هناك مفارقة يصعب تجاهلها في التعليم العالي المصري.

في الوقت الذي تدور فيه ضجة واسعة حول مستندات تتحدث عن مكافآت بملايين الجنيهات لبعض القيادات الجامعية، ما زال الأستاذ الجامعي ينظر إلى جدول راتبه، فيجد أن الترقية من أستاذ مساعد إلى أستاذ يمنح علاوة رفع في الجدول المالي قيمتها ربع جنيه شهريًا.

قد تبدو المقارنة صادمة، لكنها تستحق أن تُطرح بهدوء:

كيف أصبح لدينا نظام يستطيع أن يولد ملايين الجنيهات من المكافآت والمستحقات لبعض المناصب، بينما يعجز جدول رواتب الأستاذ الجامعي عن منحه قيمة مالية حقيقية, لمجهوده ودرجته العلمية؟

المشكلة ليست في أن يحصل أي مسؤول على مستحقاته القانونية إذا كان الصرف مستندًا إلى قانون ولوائح سليمة، ولا ينبغي أن يكون النقاش حول الأرقام المنشورة حكمًا مسبقًا على أحد.

لكن السؤال الأهم هو: أين موقع عضو هيئة التدريس العادي من كل هذا؟

وعندما تنظر إلى الأرقام الواردة في جدول رواتب أعضاء هيئة التدريس، تدرك حجم المفارقة بصورة أكبر.

مربوط درجة المعيد: من ٤٣ جنيهًا إلى ٩٨ جنيهًا شهريًا.

مربوط درجة المدرس: من ٨٠ جنيهًا إلى ١٤٩ جنيهًا شهريًا.

مربوط درجة الأستاذ: من ١٣٥ جنيهًا إلى ٢٠٣ جنيهات شهريًا.

هذه ليست مجرد أرقام قديمة في جدول مالي وُضع في السبعينيات وتم تعديله عام ١٩٨٣؛ إنها تكشف إلى أي مدى انفصل جدول الرواتب عن الواقع الاقتصادي الذي نعيشه اليوم.

وهنا نصل إلى جوهر الأزمة.
خلال السنوات الأخيرة تغيرت خريطة موارد التعليم العالي بصورة كبيرة. ارتفعت المصروفات الدراسية بشكل كبير جدًا، وتوسعت البرامج الخاصة، وزادت أعداد الطلاب الوافدين، ومع تغير سعر الصرف أصبحت الإيرادات المحصلة بالعملات الأجنبية ذات قيمة أكبر بالجنيه المصري، بخلاف إيرادات الوحدات الخاصة التي ارتفعت مواردها.

كما توسعت الجامعات في إنشاء المراكز والشركات والمشروعات الاستثمارية والخدمية، وأصبحت لدينا منظومة أكثر تنوعًا في مصادر التمويل من ذي قبل.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فقد تحملت الجامعات الحكومية تمويلات وقروضًا لإنشاء جامعات أهلية، وخصصت لهذه الجامعات مباني وأراضي ومعامل وتجهيزات وإمكانات قائمة، باعتبار أن هذه المشروعات ستسهم في تحسين موارد الجامعة الحكومية وإصلاح العوار في رواتب الأساتذة, وتحقق عائدًا اقتصاديًا واستدامة مالية لها.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:

إذا كانت الجامعة الحكومية قد تحملت أعباء تمويل وإنشاء الجامعات الأهلية، ووفرت لها جزءًا من أراضيها ومبانيها ومعاملها وإمكاناتها، فأين انعكس هذا التوسع في الموارد على صاحب الدور الأساسي في كل هذه المنظومة: الأستاذ الجامعي؟

لا نتحدث هنا عن مصادرة موارد الجامعات أو تعطيل تطوير بنيتها التحتية، وإنما عن إعادة ترتيب الأولويات.

فالاستثمار في المباني والمعامل والتجهيزات مهم، لكن الاستثمار في الإنسان الذي سيستخدم هذه المباني، ويدير هذه المعامل، ويدرّس داخلها ويُخرج أجيالًا، وينتج البحث العلمي، لا يقل أهمية.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الدولة تستطيع أن تنشئ منظومات تعليمية جديدة، وتوفر لها موارد ومبانٍ وإمكانات، وتعيد هيكلة خريطة التعليم العالي بالكامل، بينما يظل جدول راتب الأستاذ الجامعي نفسه عاجزًا عن مواكبة أبسط متطلبات الحياة.

فإذا كانت الجامعات قد أصبحت قادرة على الدخول في مشروعات كبرى، والحصول على تمويلات، وإنشاء جامعات أهلية، والتوسع في البرامج الخاصة والاستثمارية، فليس من المنطقي أن يظل السؤال عند زيادة راتب الأستاذ الجامعي محصورًا في: 
«من أين نأتي بالمال، أو نبحث عن زيادة في صورة حافز؟»

السؤال الصحيح هو:

أين تذهب الموارد التي أصبحت الجامعات تحصل عليها بالفعل؟ وما نصيب الإنسان الذي تقوم عليه الجامعة من هذا النمو؟

وبدلًا من إعادة بناء الكادر الجامعي بالكامل، ظل الحل في أغلب الأحيان هو إضافة حافز هنا، وبدل هناك، ومكافأة في موضع آخر، حتى أصبح الراتب نفسه عبارة عن مجموعة متغيرات متفرقة، بينما ظل أساسه ضعيفًا بنسبة أقل من ٢٠٪ من إجمالي دخله، وبمعاش لا يتجاوز ٤ آلاف جنيه مصري.

والآن، إذا كانت هناك مباحثات أو لجنة تبحث زيادة جديدة في حافز، فالسؤال الذي يجب أن يسبق أي زيادة هو:

هل نريد الاستمرار في ترقيع جدول الرواتب، أم نمتلك الشجاعة لإعادة بنائه؟

لأن الحافز لا ينبغي أن يتحول إلى البديل الدائم عن الراتب، ولا أن يشكل هو والبدلات أكثر من ٨٠٪ من إجمالي الدخل الضعيف أصلًا, ينتهي بمعاش مهين لا يكفي فاتورة كهربا وغاز وايجار.

الحل الحقيقي ليس أن نضيف رقمًا جديدًا إلى بند قديم، وإنما أن نضع جدولًا جديدًا للكادر الجامعي يتناسب مع طبيعة الوظيفة ومسؤولياتها، ويضع حدًا أدنى حقيقيًا يبدأ من المعيد ويتدرج بصورة عادلة حتى الأستاذ، مع علاوة سنوية تحافظ على القيمة الحقيقية للدخل، ولا تسمح للتضخم بأن يلتهمها مرة أخرى.

ولماذا لا يكون هناك حد أدنى خاص بالكادر الجامعي يعادل أربعة أضعاف الحد الأدنى العادي؟

الدولة تضع حدًا أدنى عامًا للأجور وتجاهلت كادر الجامعات من تعديله مثلما عدلت كادرات خاصة اخرى، عضو هيئة التدريس ليس موظفًا عاديًا؛ إنه يخضع لقانون خاص، ومسار علمي طويل، والتزامات أكاديمية وبحثية ومهنية، وتفرغ تفرضه طبيعة الوظيفة.

فإذا كانت الدولة تريد جامعة تنافس عالميًا، وأستاذًا ينتج معرفة، وخريجًا ينافس في سوق العمل، وبحثًا يدعم الاقتصاد، فلا يمكن أن يظل ثمن الوظيفة العلمية ومعاشها محكومًا بجدول لا يعكس اقتصاد اليوم.

والأهم أن هذا الإصلاح لا ينبغي أن يكون مجرد زيادة مؤقتة، بل نظامًا مستدامًا:

إنها مشكلة أولويات.

وإذا كانت الدولة قد نجحت في بناء منظومة جديدة للجامعات والبرامج والاستثمارات ومصادر التمويل، فقد آن الأوان أن تبني معها منظومة جديدة لراتب الأستاذ الجامعي.

فلا يعقل أن نطلب من الأستاذ أن ينافس جامعات العالم، بينما هو أولًا مطالب بأن ينافس التضخم ويصارع متطلبات المعيشة. ولا يمكن أن نتحدث عن جامعة عالمية، وتدويل للتعليم، وبحث علمي ينافس عالميًا، بينما راتب من يحمل هذه الرسالة ما زال محكومًا بجدول ينتمي إلى عالم السبعينيات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء